الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

القربات أنواع  
سورة التوبة   الآيات 17 - 33


لما بين صفات المؤمنين الحقيقية التي تؤهلهم لدخول الجنة، ناسب أن يتبع ذلك ببيان من يفيد من عمارة المسجد فقال:(مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) كان في أسرى بدر العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فأغلظ له المسلمون القول إذ كان مناصراً للكفرة خارجاً معهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم "تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا"، قال المسلمون "وهل لكم محاسن؟!" قال "نعم، نخدم البيت ونسقي الحجيج" فنزلت هذه الآية رداً عليه، ومعناها ما صح ولا استقام للمشركين ما داموا كذلك أن يعمروا مساجد الله، والعمارة إما حسية ببنائه وتجميله وتحسينه وإما معنوية بالصلاة فيه وزيارته للحج والعمرة إذ كان المقصود بمساجد الله المسجد الحرام خاصة، وعلى قراءة الجمع لأن كل موضع منه مسجد، أو لأنه قبلة المساجد كلها، وأما على قراءة من قرأ بالإفراد فظاهر، ولما كان المسجد يبنى لتوحيد الله مخالفاً المشركين في صلب عقيدتهم كانت عمارته شهادةً بالإيمان، فإن كانت من مشرك كانت شهادةً عليه بكفره، فالمشركون حين يعمرون المسجد يشهدون على أنفسهم بالكفر، واختلف الفقهاء هل تصح عمارة المسجد من مشرك؟! فأما الحسية فأجازها بعضهم على اعتبار أنها عمل في ظاهر البناء، وأما المعنوية فطبيعي أن لا يسمح للكافر بدخوله كما سبق وقرره في قوله:(ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) قال في حق من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وأما المسجد الحرام خاصة فسيأتي حكمه عند قوله:(فلا يقربوا المسجد الحرام) وسبق الإشارة إليه في قوله صلى الله عليه وسلم"وأن لا يحج بعد العام مشرك"، ولما كان المشركون بعمارة المساجد شهدوا على أنفسهم بالكفر، والكفر يحبط العمل فلا يجلب مغفرةً ولا يدفع عقاباً، أشار إلى هذا في قوله:(أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) ولما ذكر أن المشرك ليس أهلاً لهذا ناسب أن يذكر من يصح أن يعمر مساجد الله يأتي الجواب:(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) فشرط فيمن يعمر مساجد الله أن يتصف بأربع صفات: الإيمان بالله واليوم الآخر، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، عدم الخوف إلا من الله، وختم الآية ب(عسى) وعسى للترجي فكأنه يرد العجز إلى الصدر ويقول إن المشركين ابعد ما يكون عن عمارة المساجد لأن من توفرت فيه الشروط الأربعة يرجى له أن يكون من المهتدين فكيف بمن لم يتوفر فيه ولا شرط واحد.
ولما ظن المشركون أنهم بخدمة البيت الحرام وسقاية الحاج يستحقون أجراً من الله، أنكر عليهم ذلك عن طريق الإستفهام الإنكاري ليرده أبلغ رد (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) إن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام عمل صالح لكنه إن لم يصحبه بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله فهو عملٌ مبني على الكفر بالله فلا ينفع صاحبه، كذلك عمارة المسجد وسقاية الحاج دون الإيمان ونبذ الشرك لا تنفع ولا تسوّى بالإيمان بالله واليوم الآخر لأن الله لا يوفق المشركين ما داموا كذلك، ولما فرّق بين الإيمان بالله واليوم الآخر وسقاية الحاج، ناسب أن يبين مرتبة المؤمنين فقال:(الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ*يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ*خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) "الذين" اسم موصول وصلته "آمنوا وما عطف عليها" وصلة الموصول علة الحكم والحكم (أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ) إذاً لا بد من أن يكون من اتصف بهذه الصفات أعني الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله لنصرة دين الله بأموالهم وأنفسهم أعظم من الذين سقوا الحجاج وخدموا بيت الله الحرام، لأن اولئك عملوا عملأ عظيماً انتقل أثره إلى الناس فكانوا أنفع للناس فاستحقوا الكرامة والثواب من الله سبحانه، لذلك ختم الآية بقوله:(وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) ولما كان في الآية اجمال بينه في الآيتين التاليتين: بشارة ربهم لهم برحمة منه ورضوان، ويا فوز من حصّل هذا إذا أضيف إليهما جناتٍ لهم فيها نعيم مقيم، سعادةٌ أبدية لا ينغصها شيء ما دامت إقامتهم فيها أبدية دائمةٌ لا تنقطع، وما دام ما عند الله أجرٌ عظيم أعظم من هذا كله، رؤية الله في درجات الجنة، هكذا ربّى الله المؤمنين على الإيمان الحقيقي والإنقياد الكلي لله، فناسب أن يعظهم بما يجعل ولاءهم لله وبراءهم من أعداء الله، لذلك جاء النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) نهت الآية عن موالاة أقرب الأقربين: الاباء والإخوان ما داموا يحبون الكفر ويفضلونه على الإيمان، وأوعدت من يتولى الكفرة بأنه مثلهم، لأن العرف أن الصديق صديقان صديقك وصديق صديقك، وأن العدو عدوان عدوك وعدو صديقك، فموالاة الظلمة ظلم ونصرتهم ظلم، من هنا أكد الخبر بضمير الفصل كأنه حصر الظلم كله في من يتولى من يحب الكفر ويفضله على الإيمان، وأتبع ذلك بوعيد شديد تنخلع له القلوب، زاد فيه الأبناء والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن، ووجه الخطاب إلى النبي لينبه إلى أنه معرض عن اولئك القوم فقال:(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) يجب أن يكون المؤمن كله لله، حبه في الله وبغضه لله، عطاؤه له ومنعه بأمره، فمن أحب غير الله أياً كان قربه من المحبوب أو بعده عنه أو علاقته به ففي إيمانه نقصٌ، والوعيد لاحق به لا محالة، كيف لا وقد ختم الآية بقوله:(وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) والفاسقون خرجوا من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، أبقوا على الأطراف أم أوغلوا في الكفر والنفاق، ثم ذكر القرآن ما يعين على تطبيق هذه الآية عملياً، فذكر غزوة حنين فقال:(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح عشرة آلاف مقاتل، ودخل الإسلام ألفان من أهل مكة فأصاب المسلمين الغرور وظنوا أنهم أقوياء لا يمكن أن يغلبهم أحد، مع أن الله قرر في آيات كثيرة أن النصر من عنده لا بقوة القوم العددية أو العُددية، أما المواطن الكثيرة التي انتصر فيها المسلمون فهي: بدر وأحد وبني المصطلق والخندق وتبوك ومكة، كان العدو كثيراً والمسلمون قليل وكان النصر، أما يوم حنين فكان المسلمون كثير وربما كان العدو أقل منهم، ولكن لما أصابهم الغرور ابتلاهم الله بالهزيمة أول الأمر، ذلك أن المسلمين بعدما فتحوا مكة انطلقوا إلى حنين، وحنين وادٍ بين مكة والطائف تجمعت فيه القبائل لحرب المسلمين وقد يسمى الوادي وادي أوطاس، وكان قائدهم غبياً أحضر الأموال والنساء مع العسكر ليمنع عسكره من الفرار، وكان مع عسكره رجل من الأقدمين الذين خبروا الحرب قد عميَ فسأل لماذا أسمع رغاء الشاة وبكاء الصغير؟؟ فأخبروه أن القائد أمر بإحضار النساء والأولاد والأموال وراء الجند ليمنعهم من الفرار، فقال له "إنك مجنون إن المنهزم لا يرده شيء" ثم كمن عسكر العدو للمسلمين في أطراف الوادي، فلما وصل المؤمنون أول النهار وكان الغلس لم يره أحدا، وفجأةً هجم عليهم الأعداء ففر المسلمون ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ عدد يسير، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وكان صيّتاً فنادى "يا أصحاب السمرة فعادوا" والسمرة هي الشجرة التي بايع عندها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، يذكرهم عهدهم مع رسول الله، فلبوا النداء وقاتلوا المشركين وانتصروا عليهم وفي ذلك يقول:(ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ*ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سجلت الايات ما حصل في وقعة أوطاس بدقة متناهية، ذلك أن الغرور داءٌ يفتك بالمغتر فيوقعه في شر أعماله، بين ذلك بحال المسلمين حين أعجبتهم كثرتهم فلم تنفعهم ولم تدفع عنهم شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فتركوا رسول الله ومضوا على وجوههم، ثم لما تداركهم الله برحمته أنزل عليهم سكينته، أي ربط على قلوبهم وقواها وأنزل جنوداً لم يروها فخاف الأعداء من المسلمين وقويت قلوب المؤمنين فبطشوا بالكفار وهذا معنى (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ) خزيٌ في الدنيا وعذاب في الاخرة، ثم أعاد الحق إلى نصابه وفسح لعباده بالتوبة فوفق من شاء لها رحمةً منه ومغفرةً لخلقه لأنه غفور رحيم، ولما قوّى العلاقة بين المؤمنين وجمع كلمتهم على الحق ووحد جماعتهم وألف بين قلوبهم، ناسب أن يحكم فقال:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) حصر المشركين بصفة فهل هي حقيقية أم حكمية؟! لأن المشرك يعبد غير الله مع الله أو دونَه فنجاسته معنوية، وربما لا يتطهر من الجنابة أو لا يتحرز عن النجاسات وقد تكون نجاسته حسية، يقول عليه الصلاة والسلام:"الطهور شطر الإيمان..الحديث"، فالمؤمن طاهر متطهر على كل حال، أما المشرك فلا بد أن يتطهر حكماً من الشرك وحساً من النجاسات قبل أن يدخل المسجد الحرام، وبناءً عليه لا يسمح لهم بدخول المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وكان ذلك في السنة التاسعة من الهجرة، سنة الوفود وفيها قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان كما تقدم أول السورة، كان المشركون يأتون إلى مكة فيجلبون معهم خيرات فبين لهم الله أنه حين يمنع المشركين سيهيء لمكة سبيل الخيرات عن طريق آخر فقال:(وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً) أي فقراً بسبب منع اولئك من دخول مكة (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء) وتحقق ذلك بأمرين: الأول الذين كانوا يأتون مكة مشركين أسلموا وجاءوا إلى مكة مؤمنين وأحضروا معهم خيرات أكثر من الأولى بأضعاف، والثاني أموال الجزية التي ستذكر في الآية التي بعدها، وختم الآية بذكر صفتين من صفاته عز وجل: العليم والحكيم، فهو عليم بمصالح العباد حكيمٌ يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها، ثم ذكر الجزية فقال:(قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) ذكر صفات الذين تجب عليهم الجزية أولا (لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) ثانياً (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) ثالثاً (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) رابعاً (الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) أي اليهود والنصارى، وألحق بهم المجوس المقيمين في بلاد العرب، لكن لا في جميع الصفات، فأهل الكتاب يدفعون الجزية وتحل لنا ذبائحهم ونكاح نسائهم، أما المجوس فقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم"، والجزية عبارة عن خضوع للدولة الإسلامية والتزامٍ بقوانينها ومن يدفع الجزية يتولىّ المسلمون المحافظة عليه وحمايته في نفسه وماله، فيأمن على نفسه وماله في ظل الإسلام، وإن كان أهل الكتاب منعزلين عن جماعة المسلمين منفردين عنهم يستطيعون أن يحموا أنفسهم لا يأخذوا منهم المسلمون جزية، وموضوع الجزية مبسوط في كتب الفقه لا أطيل بذكره هنا، ثم بينت الآيات السبب الذي لأجله منع أهل الكتاب من دخول الحرم والزموا دفع الجزية في البلاد الإسلامية فقال:(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) لما كتب العزير التوراة من حفظه أو كما يقولون ربط القلم بيده فجرى بالتوراة، ظنوا أنه ابن الله أو توهموا ذلك فقالوها نابعة عن اعتقاد، والعقل يقول أن الإبن والأب يشتركان في الطبيعة، والعزير مخلوق مولود والله لم يلد ولم يولد، ولما جاء المسيح من غير أب ظن النصارى أنه ابن لله، وقد ناقشهم القرآن في هذا في مواضع بينتُ بعضها في سورة البقرة وآل عمران والمائدة وربما يأتي بعد ذلك شيء منها، لكن القرآن اكتفى هنا فقال:(بِأَفْوَاهِهِمْ) ليشير إلى أنه قول صادر من الفم لا حقيقة له في نفسه، وكأنه يقول هذا قول كذب، وأكد على أنه لا حقيقة له بقوله:(يُضَاهِؤُونَ) أي يشابهون قول الذين كفروا من قبل، فدعا عليهم كيف تعمى بصيرتهم فلا يفكرون ولا يتدبرون يتبعون الهوى ولا يتبعون الحق، ثم صرح بالحقيقة التي يشهد لها الواقع وهي أن بولس هو الذي ابتدع فكرة بنوة المسيح وأذاعها وأشاعها في الناس، والمؤتمر المسكوني المنعقد في "نيقيا" سنة 325 م هو الذي حتّم اتباع الأناجيل الأربعة وقرر العقيدة التي دعا إليها بولس قبل ثلاثة قرون أو تزيد، فجاء كلام القرآن موافقاً للحقيقة (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) إنما كان اتخاذهم علماءهم ومتعبدوهم أرباباً من دون الله بطاعتهم لهم في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله وأطاعوهم في عبادة المسيح ابن مريم، ثم بين القرآن ما أمر الله به فقال:(وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) فالمسيح جاء بالتوحيد دعا إليه وحرض عليه ولكن الفكر الوثني الذي كان سائداً في إيطاليا حين دخلت في المسيحية جعل العلماء والمتعبدين ينصرون عقيدة التثليث يؤلهون المسيح ويخضعون للكهنة والعلماء، يسعون في تغيير الحق وإطفاء نوره كمثل الذي يضع يده ليخفي نور الشمس فهل يستطيع!!، وصدق الله: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) الله متمٌ نوره ولو كره الكافرون، وقد فعل ذلك حين وقفت الدنيا وأهلها في وجه الإسلام فما استطاعوا ولا يزال الإسلام عزيزاً غالباً ظاهراً ما توالى الليل والنهار، لأن الإسلام دين الله الذي ارتضى لعباده، ومحمد خاتم الأنبياء والمرسلين، شرعه باقٍ إلى يوم القيامة وشرعه ناسخٌ لجميع الشرائع، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) واليوم يعاني المسلمون من أعدائهم يحاولون تحطيم الدين والقضاء على المسلمين ولكن الله موجود ينصر أولياءه ويخزي أعداءه، فاللهم احفظنا وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة