الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

متى يجار المشرك  
سورة التوبة   الآيات 1 - 15


قرر القرآن أن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض، فبمقتضى ذلك أن يكون المؤمنون بعضهم من بعض أمةً واحدة تتبرؤ من أعداء الله وتنصر أولياء الله، فجاء قوله:(بَرَاءَةٌ) بعد قوله:(إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فحين يتكلم العليم يكون كلامه فصلاً لا كلام لأحدٍ بعده، وهذه السورة من بين سور القرآن لم تُفتتح ب(بسم الله الرحمن الرحيم) وسبب ذلك فيه أقوال:

  1. أنها والسورة التي قبلها جعلتا سورة واحدة، لأن القصة في السورتين واحدة، وتكون سابعة الطوال، ووضع علامة السورة للإلماح أنهما سورتان.
  2. أن السورة نزلت على عادة العرب إذا عقدت عهداً عقدته بسمك اللهم، وإذا نقضته لم تسم ال
  3. آخر سورة الأنفال فيه العلم وأول براءة فيها التبرؤ من المشركين، فليس من المناسب أن يكون بين العلم والبراءة استفتاح للرحمة.
والظاهر أن الآية جاءت مناسبةً لما قبلها على عادة العرب، انسجم فيها الكلام سابقه مع لاحقه فانتظم. قال تعالى:(بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ*فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ) استفتح البيان بالتبرؤ الصادر من الله ورسوله إلى من عاهد المسلمون من المشركين، وهذه الآيات سيأتي الحديث عنها مفصلاً بعد قليل ولكن لا بد من الإشارة إلى أن المسلمين إذا نقضوا عهداً أو نبذوه أعطوا الآخر فرصة لينجو بنفسه قبل أن يشنوا عليه الحرب، وهنا كذلك أعطاهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض آمنين، وأعلمهم أنهم غير معجزي الله فالله قادر على الإنتقام منهم أين كانوا متى شاء، وأعلمهم أن الله مخزي الكافرين لأنهم كافرون عرفوا الحق بالدليل الواضح وتنكروا له، عرفوا صدق النبي وأمانته ونصحه ولم يؤمنوا به فاستحقوا ما أوعدهم به في قوله:(وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) لما نزلت سورة براءة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميراً على الحج، فلما كان في ذي الحليفة أرسل علياً وآخر فالتقيا بأبي بكر في ذي الحليفة، فسأل أبو بكر علياً "أمير أم مأمور؟" قال "بل مأمور" قال أبو بكر"بم أمرت" قال "أمرت أن أقرأ صدر سورة براءة في الموقف وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان" وهكذا كان، فقوله:(وَأَذَان...) إعلام من الله ورسوله إلى الناس في الموسم يوم عرفة من السنة التي حج فيها أبو بكر وهي سنة الوفود أو السنة التاسعة من الهجرة، ويوم الحج الأكبر هو يوم عرفة أي الأيام كان، ووافق حج أبي بكر أن كان يوم عرفة يوم الجمعة، وتسميته بالأكبر لأنه اليوم الوحيد الذي يجتمع فيه الحجاج على صعيد عرفات، ومن فاته عرفات فاته الحج، ومضمون الإخبار براءة الله ورسوله من المشركين، وهذا لا يعني أنه سيهجم عليهم حالاً ولكن في الوقت الذي حدده بعد أربعة أشهر، ويفسح لهم في المجال ليتوبوا فإذا تابوا أسلموا فكان خيراً لهم، وإن أصروا على باطلهم وقاوموا الحق فالوعيد لاحق بهم خزياً في الدنيا وعذاباً في الاخرة، تقشعر جلودهم عند سماع خبره، ثم استثنى طائفةً من المشركين عاهدهم المسلمون فالتزموا بعهدهم وأدوا ما يجب عليهم كاملاً، لم ينقصوا المسلمين شيئاً من حقوقهم ولم يقووا أو يتقووا بجماعة الكفار فأمر أن يمضى العهد إليهم إلى مدتهم التي عاهدوا عليها، وختم الآية بما يرغّب المؤمنين بالتقوى وهو العمل بما أمر الله وترك ما نهى عنه فتسلم أنفسهم من المسؤولية الجزائية، وفي ذلك دليل واضح على أن الله يثيب المتقين ما يفسد المعاهدات أو يسيء إلى المخالف أو يعرضهم إلى المسؤولية الجزائية، فالمحبة بدايتها ميل القلب ونهايتها الإكرام، رحمةً أو ثواباً، فبدايتها لا تصح على الله والمراد هنا نهايتها فيحبهم أي يثيبهم على طاعتهم وتقواهم. (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فإذا انقضت المدة عنيت الأشهر الأربعة سماها هنا حُرُماً، وليست كالحُرم المذكورين في قوله:(منها أربعة حرم) والمراد هنا بالحُرم التي أمّن فيها القرآن المشركين الذين تبرأ منهم أول السورة (فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) فإذا انقضت فقد أذن الله بمقاتلة المشركين في كل مكان وجدوا فيه داخل الحرم، وأمر بمحاصرتهم والتربص بهم في جميع الأماكن التي يحتمل فيها وجودهم حتى يتوبوا من كفرهم ويعودوا إلى الإسلام ويظهر ذلك منهم بالتزام أحكامه: إقامة الصلاة بأركانها وشروطها وسننها وهيئاتها على ما فصّلته سابقاً، وإعطاء زكاة الأموال الظاهرة عندها يجوز لنا أن نخلي سبيلهم (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) نتخلق بخلقه ونعمل العمل الذي يظهر المسلم على حقيقته، فالمشركون لا يتحركون بأمان ما داموا على حالهم وقد تبرأ المسلمون منهم، فإن أحب أحد منهم سماع القرآن وأن يتعرف على الإسلام لا بد له من طلب الأمان الذي أذن الله به في قوله:(وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) الأصل في هذا الجو أن يبتعد المشركون عن المسلمين، لكن إن وجد في المشركين ذوي نفوس خيّرة يرغبون في التعرف على حقيقة الإسلام وطلبوا إجارة المؤمنين لذلك، فأذن الله بإجارتهم ليسمعوا القرآن ويتعرفوا على السنة وتكون له بصيرة بالأحكام، ثم يوصلون إلى مكان يأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم، وعلل الحكم بأنهم قوم جهلة ومن جهل شيئاً عاداه، فالحل أن نعرفه بالإسلام ونكشف له ما فيه ثم لا نضغط عليه حتى يسلم بل نوصله إلى المكان الذي يأمن فيه على نفسه وماله، فإن بقي المشرك أكثر من سنة خيّر بين أحد أمرين: إما الإسلام فيكون له ما للمسلمين أو يدفع الجزية فيكون من أهلها مؤمناً، فإن جئت تسأل عن السبب الذي جعل المسلمين يتصرفون هذا التصرف قلت لك إنه رد لفعل المشركين، فالمشركون تعصبوا على المسلمين وعادوهم وحاربوهم وحاولوا الحاق الضرر بهم على ما سيبينه، فقابل المسلمون الإساءة بالعقوبة فكان هذا الهجوم على أنه دائماً يفتح الباب بالتوبة ويهيء الظروف المناسبة لهم، (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) يتعجب القرآن يعني يجعلك تتعجب مما يحدث، ازدوجٌ في الشخصية ما بعده ازدواج، بأي حال يأمنون على أنفسهم وعلى أموالهم، وهم لم يؤمنوا وهذا تناقض في الشخصية، لو آمنوا لأُمنوا لكن ثمة مشركون عاهدهم المسلمون عند المسجد الحرام فالتزموا العهد ووفوا به، فما داموا مستقيمين على العهد محافظين عليه للمسلمين، واجب المسلمين أن يحافظوا على عهدهم معهم ويستقيموا لهم، لأن المسلم لا يبدأ المخالف بالعداء، بل يرد الإعتداء وعلل الحكم بقوله:(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) اي يثيبهم، ونلاحظ أنه لم يعلل تعجبه من أن يكون للمشركين عهد لتتشوق إلى معرفة السبب وتتهيأ لفهم الموضوع فهماً حقيقياً، لذلك كرر التعجب فقال:( كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ*اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ*لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) بين في هذه الاية سبب التعجب من طلب المشركين العهد الذي يؤمنهم على أنفسهم ومعتقداتهم وهم لم يؤمنوا الآخر ولا يرقبون فيهم قرابةً ولا عهداً، أيعقل أن تؤمن عدوك ليقتلك ويظلمك ويسيء إليك؟!، قلوبهم قلوب حاقدة وألسنتهم ألسنة سياسية تصور الباطل بصورة الحق، يرضون المسلمين بأفواههم من نحو المواطنة والتحاب والتعاون، وتأبى قلوبهم أن ينفذوا شيئاً مما يقولون، وما أجمل القرآن حين يفسح في المجال للمخالف عله يتوب فقال هنا:(وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) لم يعمم ليفسح في المجال ويستر على المسيء ويمهد سبيل التوبة، لكنه كان قوياً دلل على فسقهم بأوضح عبارة، باعوا آيات الله بثمن بخس حرام فمال الدنيا كله لا يساوي حرفاً من القرآن، وبفعلهم هذا صرفوا الناس عن الجهاد في سبيل الله والإيمان بنبي الله، فعملوا عملاً غايةً في القبح، أجمل أولا ثم فصّل فبين أنهم لا يرقبون في مؤمن أي مؤمن قرابةً فيراعونه لقرابته ولا يعتدون عليه لأنه قريب ولا يرقبون في معاهدٍ عهداً فيحسنوا إليه لأنه معاهد، فأي اعتداء أكثر من ذلك الإعتداء؟! وأي إساءة تلحق المؤمنين أكثر من هذا؟! كذبٌ وإساءةٌ وحقد وكراهية، كيف تنهض البلاد من كبوتها أم كيف يلتئم أمر الجماعة وتتخلص من فرقتها!! ومع هذه الشدة تراه يفتح باب التوبة على مصرعيه يرحب بالتائبين، فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على طيب قلب المؤمن وحسن أخلاقه وسلامة سريرته، في المحبة يبنى المجتمع، وتجتمع الكلمة ويعيش الناس في أمن وأمان، ثم بين مظاهر الإنقياد إلى شرع الله فقال:(فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الإسلام جاء لإنقاذ البشرية من الجهل والظلم والتفرق يقاتل الناس ليصوب مسارهم ويقوم ما اعوج من أخلاقهم وينظم العلاقة بينهم أحسن ما يكون الإنتظام، والإخوان لا يعتدي بعضهم على بعض ولا يسيء بعضهم إلى بعض ولا يظلم بعضهم بعضاً، وذيّل الآية ببيان أنه يتفنن في بيان الآيات المتلوة وينوع في الأساليب ليجعل من الأمة الأميّة أمةً عالمةً تعرف الحق وتدعو إليه تنشره وتنصره، فما دام الآخر قد قبل الحق وسالم المؤمنين فلم يعتد عليهم فهو آمن في بلاد المسلمين، وإن كانت الأخرى كان الجزاء المبين في (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) فإن غدر المشركون بالمسلمين وغدرهم يكون بأحد طريقين: مقاتلة المسلمين أو الطعن في دين الإسلام كما يفعلون الآن، فالمثال الأول موجود في العالم الإسلامي في شرقه وغربه، مئات المسلمين يقتلون بدم بارد دون خجل أو حياء، والطعن في الدين على أشده حتى أضحى شبابنا يخشى أن يقول أنا مسلم، يخشى أن يصلي، يخشى أن يعبد الله لأن الظلم استشرى في المجتمع، والطعن في الدين اتهامه بالإرهاب والتكفير واتهامه بشتى التهم، وهم المتصفون بها على حد قولهم في المثل "رمتني بدائها وانسلتِ"، ولما كان القوم لا عهد لهم فلا معنى لمعاهدتهم لأن في معاهدتهم ظلماً للمسالمين واضطهاداً للأمة المسالمة، ولم ينس القرآن أن يحض المؤمنين على مقاتلة من يشوه دينه وينسبه إلى ما ليس فيه ويسعى في تنفير الناس عن الإسلام أو في تهجيرهم من بلادهم أو نقلهم من مكان إلى مكان، بحسب الرغبة والهوى فيقول:(أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ*وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) "ألا" نفي واستفهام يصير تقريراً وفي معنى الحض، والداعي نكث الأيمان، وهمهم بإخراج الرسول ومبادئتهم المسلمين بالعداء دون سبب مقبول عقلاً أو حساً أو ديناً، فالمسلمون اضعف الخلق لا يحملون سلاحاً ولا يكونون أحزاباً ولا يجتمعون على باطل، فعلام يهاجمون وتشوه صورتهم ويساء إليهم، يجب أن يكون المسلم قوي الإيمان قوي الثقة بالله معتمداً عليه محتمياً به يخافه ولا يخاف غيره، وههنا القرآن يستنكر على المسلمين أن يخافوا من الكافرين، ويرشدهم إلى أن الله أحق بالخوف من غيره ليحضهم على مقاتلة الكفار والإنتصار للحق والدفاع عنه، وخزي أعداء الله ورسوله، إن الحق الذي ليس له ذراع عسكرية تحميه لحقٌ ضعيف، فيجب أن يكون للدولة ذراع عسكري يمنع الناس من الإعتداء على بعضهم البعض ويجمعهم على كلمة سواء، وههنا ذكر فائدة قتال الكفرة تعذيبهم وخزيهم ونصر الحق عليهم وشفاء صدور المؤمنين من الظلم الواقع عليهم من الكفار، وأن ينتفي الغيظ من قلوبهم، ثم إن مقاتلة الكفار ربما تدعوهم إلى إعادة النظر في واقعهم وتصرفاتهم فيتوبون فيتوب الله عليهم، والله عليم بما يشرع من أحكام، حكيم يضع الأمور في مواضعها، وختم الموضوع باستفهام انكاري مرة ثانية يؤكد على ما دعا إليه من قبل فيقول:(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) "أم" تصرف "بل" وهمزة الإستفهام، والمعنى بل أتتركون دون أن يعلم الله خفاياكم وخباياكم فيظهرها على الملأ ويترركم هملاً، وكأنه أضرب عن القصة الأولى إلى القصة الثانية، فيجب أن يكون الله ورسوله أحب إلى المؤمن من نفسه وماله وولده وكل شيء، إذاً يجب على المؤمنين أن لا يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، والوليجة الدخيلة، عبارة عن أن يحب المؤمنون الله ورسوله وجماعة المؤمنين أكثر من اي شيء وأن يكون عملهم نابعاً من قلب تقي نقي وعملٍ نظيف متقن يقبله الله، فإن الله خبير أي عالم ببواطن الأمور فضلاً عن ظاهرها، فاحرصوا رحمكم الله أن لا يرى الله منكم إلا خيراً وأن تتطابق أقوالكم وأعمالكم وأن يكون القول كالفعل والفعل كما شرع الله، اللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة