الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

خلق المسلم  
سورة الأعراف   الآيات 31 - 53


كان أهل الجاهلية إذا وفدوا إلى الحرم بين خيارات ثلاث: إما ثياب جديدة يطوفون بها ثم يلقونها، أو إستعارة من الحمس-أهل الحرم-، أو يطوفون عراة لأن مذهبهم أن لا يطوفوا بالبيت في ثياب عصوا الله فيها، فجاء الإسلام يقوم ما اعوج من أخلاقهم فخاطبهم بصيغة العموم (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) فأمر بلبس أحسن الثياب عند إرادة الصلاة أو الطواف، وجعل للإحرام لباساً خاصاً يغيّر ما ألفوه ويبني المجتمع على طهارة وستر، ولما كان الإنسان بحاجة إلى ما يقوم به أوده وكان الأكل ضرورةً لبقاء الحياة ذكر الأكل بعد الزينة فأذن به، ويحتاج الآكل إلى الماء ليسهل عليه فذكر الشرب، وحذّر من خصلة رديئة وهي الإسراف، وبيّن أنه لا يثيب المسرفين إذ إنهم عملوا عملاً لا يرضاه لأنه يؤثر على حياتهم وشخصيتهم وهو يبنيهم ليكونوا معتدلي المزاج منضبطي الحركة ملتزمي المنهج، لا إفراط ولا تفريط، ولما امتنع بعض الصحابة عن تناول بعض الأطعمة في بعض الأوقات أنكر عليهم فعلهم على طريق الإستفهام الإنكاري، ولأنه لم يرض ذلك منهم لم يشرفهم بالخطاب وشرّف به نبيه فقال:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) إن الله خلق الطيبات ليميز بها الإنسان عن الحيوان، فالحيوان يأكل ليبقى حياً يؤدي وظيفته، والإنسان يأكل ليستمتع بالطعام ويحفظ حياته، فيأكل الإنسان أنواعاً من الطعام غير التي تحفظ حياته كالقلوبات والفواكه والشاي والقهوة وبعض الطيبات، ويختار من الثياب ما يجمل صورته الخارجية ويزينه في أعين الناظرين إليه، وهذا خاص بالإنسان المسلم ويتبعه في ذلك غير المسلم في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فلا تكون الطيبات والزينة إلاّ للمؤمنين الذين يدخلون الجنة، وختم الآية بقوله مثل ذلك التفصيل (نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي نبين الآيات ونشرحها لنجعل من الأميين أمة علماء يصلحون الحياة ويضبطون حركة الناس ويبنون المجتمع الفاضل، وفي هذا إباحة للتزين بالثياب المختلفة إلا ما حرم الشرع على البعض وإباحة التلذذ بالطيبات دون إسراف، وفي مقابل ذلك حرم أشياء يجب الإمتناع عنها أشار إليها بقوله:( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) مرة ثانية يشرف نبيه فيكلفه أن يبين للناس المحرمات بأداة الحصر "إنما" والفواحش جمع فاحشة وهي الخصلة البالغة في الشر والقبح، قد تكون الزنا وقد تكون الشذوذ وقد تكون غير ذلك، ما كان منها علناً ظاهراً وما كان منها مستورا، فهي حرام بكل أشكالها وألوانها، والإثم هو الذنب الموجب للعقوبة وقد يستعمل في شرب الخمر ومنه قول الشاعر:
  شربت الإثم حتى ضل عقلي  **  كذاك الإثم تذهب بالعقول
وقد يكون الشتم أو غيره من الكبائر القاصر ضررها على العامل، أما المتعدي فأشار إليه بقوله: (والبغي) وهو طلب ما ليس لك أو تجاوزك الحد بإستيفاء حقوقك وقيده هنا (بغير الحق) فالبغي بحق فيه تأديب للعاصي وردعٌ له، وهو جائز والبغي بغير حق ممنوع لأن فيه إساءةً وظلماً، والشرك بالله لأنه لا وجود لشريك لله في الواقع بنفس الأمر، وقيده هنا فيما ليس عليه دليل من الوحي توبيخاً لهم وتوبيخاً للمشركين على فعلهم الذي لا دليل عليه لا عقلاً ولا حساً ولا وحياً، ونهاهم أن يتقولوا على الله بغير علم والتقول هو الكذب فلا يكذبون على الله ولا يكذبون رسله، لكنهم يستسلمون له ينفذون أمره وينتهون عن ما نهى الله عنه.
ولما كان الإنسان في هذه الدنيا يعيش فترة معينة يبتلى فيها ليظهر فضل الصالحين وزيف المعاندين والحساب في الآخرة، بيّن أن عمر الإنسان محدد لا يتقدم ولا يتأخر (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) فالقتيل ميت بعمره والعقوبة للقاتل لأنه تعدى فقصد إلى قتله وعزم على ذلك ورغب فيه فاستحق العقوبة، فلو كان للقتيل عمرٌ لم يمت إما بموت من يريد قتله أو بشغله عن تنفيذ ما أراد أو بأي سبب، وبهذا نفسّر إنقطاع حبل المشنوق وتأخر موته فترةً من الزمن ساعةً من نهار أو دقائق، فالعمر لا يزيد ولا ينقص واحترام الحياة واجب على الجميع فلا يجوز التعدي عليها. مرةً ثانية ينادي بني آدم (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ*وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) استخدم هنا حرف الشرط وزاد فيه "ما" ليبين أن إرسال الرسل ليس واجباً على الله ولكنه مندوب إليه أو تفضلٌ منه، وبين أن الرسل من الإنس بالنص ههنا لأن المخاطبين بنو آدم ووظيفة الرسل تبليغ آيات الله وإقامة الحجة على المرسل إليه، فمن قبل استحق المثوبة ومن رفض استحق العقاب، إلى ذلك أشار بقوله:(اتقى وأصلح) اتقى الله وأصلح ما فسد من أعماله، فهو الفائز في الآخرة فلا خوف عليهم من شيء يلحقهم في مستقبل الأيام، ولا يحزنون على ما فاتهم في أيام حياتهم لأنهم عرفوا الله وعلموا ما كلفهم به فأدوه كاملاً، أما الفريق الثاني وهم الذين كذبوا بآيات الله فلم يصدقوها ولم يعملوا بما تأمرهم به، وتكبروا عن الخضوع لها وتنفيذ ما تتطلبه منه وهم الخاسرون لأنهم أضاعوا عمرهم فيما لا فائدة فيه ولا ثمرة له، وهنا ينشأ في النفس سؤال من أشد الناس ظلماً؟؟ أهو المفتري الذي يكذب على الله؟ أو الذي يكذب بآياته؟ يأتيك الجواب (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ) ما أضعف الإنسان هذا المخلوق الضعيف يتجرأ فيكذب على الله ويكذب بآياته ظاناً أنه يفلت من غضب الله وانتقامه، إن الله حليم يملي للظالم ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، أشار إلى ذلك قوله: (أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ) أي العمر الذي يعيشونه في هذه الدنيا، فإذا حان وقت الفراق سألهم ملك الموت أين الذين كنتم تعبدون من دون الله؟ كذبتم الرسل وكذبتم الوحي المتلو، فأين آلهتكم (قالوا ضلوا عنا) اي تركونا وانصرفوا عنا واعترفوا بذنبهم (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) هذه الشهادة لا تنفعهم شيئاً لأن وقت التوبة مضى وانقضى والعذاب واقع بهم (قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ*وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) لذلك أمرهم بدخول جهنم في جماعة من كفر من الأمم قبلهم من الجن والإنس بالذنب الذي اقترفوا، ولما كان بعضهم متأثراً ببعض إما عن طريق التعليم أو الإقتداء وكان مصيرهم هذا مظلماً عبروا عن ضيقهم بلعن بعضهم البعض، وعبر القرآن عن هذا اللعن المتكرر بكلمة "كلما" فلما تكاملوا في جهنم وأدرك آخرهم أولهم واحتوت عليهم النار وجّه الآخر الخطاب إلى الله يخبره أن هؤلاء أوقعونا في الضلال فزينوه لنا وأغرونا به، ويريد الآخرون أن يعاقب الأولون بعذاب مضاعفٍ في النار، فأجاب رب العزة: ( قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ) أما الأولون فلأنهم سنوا المخالفة وأظهروها ومارسوا الكفر، وأما الاخرون فلأنهم قلدوا غيرهم ولم يعملوا عقولهم ولا التفتوا إلى الداعي، فكان كل فريق يستحق عذاباً ضعفاً من النار، والجميع تشاركوا في الجهل، وهنا انبرت الطائفة الأولى لتقول لها إذا كنا نحن أصحاب فضلٍ أوردناكم هذا المورد لم نجبركم عليه ولكنكم اخترتموه بملء إرادتكم فمهما يكن من أمر فذوقوا العذاب بسبب كسبكم أو بسبب الذي كنتم تكسبونه من التقليد الأعمى وعدم إعمال النظر فيما ترون وتشاهدون (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ*لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) إن الله أعد للمكذبين بآياته المكذبين رسله الذين تكبروا عن قبول الحق والخضوع للوحي المتلو، لا تفتح لدعواتهم أبواب السماء فلا تصل دعواتهم إلى الله، لأنهم لم يعرفوه ولا آمنوا به ولا عملوا لمرضاته، وإذا كانت أبواب السماء مغلّقة دون دعواتهم وعباداتهم فلا يدخلون الجنة، وحدد لذلك غايةً (الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) فهل يدخل الجمل في ثقب الإبرة؟! قال بعضهم إن الله على كل شيء قدير يرفع الجمل حتى يدخل في الإبرة فهل بقي الجمل جملاً!! وقال آخرون يكبر ثقب الأبرة حتى يستطيع الجمل أن يدخل فيه، فهل بقي هذا ثقب إبرة؟!، إن المثل مسوق لبيان استحالة دخول الذين كفروا الجنة، كما أن دخول الجمل في ثقب الإبرة مستحيل ما دام الجمل جملاً والإبرة إبرة، وهذا الجزاء جزاء من ارتكب المعاصي وتحمل الاثام ولم يقل يوماً ربي اغفرلي، ومكافأةً له جعل فراشه من جهنم وغطاءه من النار، ففراشه نار ولحافه نار، شيء مخيف ينخلع لهوله القلب، فمثل ذلك الجزاء يجزي الله الظالمين لأنهم ظالمون، ولو لم يكونوا لما استحقوا هذا العذاب، وعلى الطرف الاخر فريقٌ عرف الله فآمنوا به وعملوا الأعمال الصالحات التي تنفع العامل أو تدفع عنه أو تنفع غيره أو تدفع عن غيره، بقدر الطاقة البشرية لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ*وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) والمجتمع الإيماني مجتمع متحاب لا يحقد فيه أحد على أحد ولا يسخر أحد من أحد ولا يسيء أحد إلى أحد، يحبون بعضهم كحبهم أنفسهم (تجري من تحتهم الأنهار) كان العرب يشتهون الماء ويرغبون فيه فها قد أكرمهم به في الجنة فشكروا الله على هذه النعمة أن وفقهم للطاعة وأكرمهم بالهداية وشهدوا لرسل الله أنهم جاءوا بالحق فتابعوهم وناصروهم فأكرمهم الله غاية الإكرام بعملهم الصالح وصفاء قلوبهم.
وتبدأ مرحلةٌ جديدة تشبه مرحلة الصراع في الحياة الدنيا بين الخير والشر بين الحق والباطل بين المطيع والعاصي، فهاهم أصحاب الجنة ينادون أصحاب النار (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ*الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ) في الحياة الدنيا كان الكفار يسخرون من المؤمنين ويستهزؤون بهم ويستعدون الناس عليهم، واليوم جاء الوقت الذي يوبخ فيه المؤمنون الكافرين، وإنما ساق القرآن هذه القصة ليحذّر العصاة من ما هم فيه فيرتدعوا ويعودوا إلى الصواب، فهاهم أصحاب الجنة يخبرون أصحاب النار أن ثبت عندهم صدق وعد الله، وهذه دعوة إلى تصديق الله وتصديق رسله لأن الله حقٌ ويمكن للخاطئ أن يعود عن خطئه، ألم ترى أنه يعلن على الملأ الدعاء بالطرد من رحمة الله على الذين وضعوا الأمور في غير مواضعها، عبدوا غير الله أو كذبوا الله أو كذبوا على الله أو كذبوا رسل الله وصرفوا الناس عن الطريق القويم وأرادوا الحياة لعبة يتسلون بها وجعلوها هي الحياة ولا حياة بعدها، وبين أهل النار وأهل الجنة حجاب أي حاجزٌ يمنع حرارة جهنم من أن تصل إلى أهل الجنة ويمنع نعيم الجنة من أن يصل إلى أهل النار وعلى هذا الحاجز أصحاب الأعراف وهم جماعة استوت حسناتهم وسيئاتهم فأوقفوا على الأعراف ينتظرون حكم الله فيهم، يعرفون هؤلاء وأولئك بعلامات تدل عليهم وصفات كشفها الله لهم، فهاهم ينادون أصحاب الجنة (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ)، دعوا لأهل الجنة بالسلامة والسلام وطمعوا في دخولها بعد أن يقضي الله في أمرهم، (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) إذا نظر أصحاب الأعراف إلى أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم فأكدوا ما تمنوه أن يكونوا مع أصحاب الجنة في نعيم، وهذه دعوة إلى الناس في هذه الحياة الدنيا أن يسألوا الله النجاة في الاخرة من العذاب والفوز في النعيم المقيم، ثم انتقل أصحاب الأعراف إلى توبيخ العصاة الذين استحقوا النار، (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ*أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) كان الكفار في الدنيا يجمعون الجموع لحرب الإسلام وأهله ويتكبرون على المسلمين فوبخهم أصحاب الأعراف قائلين لهم:"هل نفعكم هذا الجمع؟! لا لم ينفعكم بل ذهب مع الريح كنتم تتكبرون عن قبول الحق فصار مصيركم ما ترون، هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة قد نالتهم الرحمة وأدخلوا الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وفي الاية التفات من الغيبة إلى الحضور ليؤثر في نفس السامع فيصرفه عن باطله، وختم الموضوع بدعاء أصحاب النار أصحاب الجنة يستغيثون بهم طالبين شيئاً من الماء أو من ما خصهم الله به بالجنة (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ*الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) جاءهم الجواب بأن الله منع الكافرين هذه النعم لأنهم كافرون جعلوا دينهم مظاهر جوفاء وصور لا حقيقة لها وجعلوا حياتهم عبثاً من العبث يتلهون ويلعبون وأغرتهم الحياة الدنيا فمالوا إليها واطمأنوا بها، وتركوا أوامر الله وطاعة رسل الله فاليوم يتركهم الله في العذاب لأنهم تركوا الإستعداد لهذا اليوم، وكانوا يجحدون الحق الثابت ويتنكرون للرسل المؤيدين بالمعجزات الحسية ويخالفون الأمر الإلهي فهذا جزاؤهم، وفي سرد هذه الايات دعوة إلى التوبة وتدبر القرآن والإقبال على ما فيه من الحكم والأحكام، ماذا ينتظرون حتى يؤمنوا (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يقسم الله أنه أرسل إليهم رسولا أوحى إليه بكتابٍ واضح الايات بيّن الحجج أوضحه أحسن ما يكون الإيضاح بأسلوب سهلٍ وأدلة مقنعة، فيه خارطة الطريق الذي يحقق النجاة في الدنيا والاخرة، فيه الرحمة لمن يريدها وشرطها الإيمان، ماذا ينتظرون حتى يؤمنوا (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) أينتظرون مجيء ما أخبر به فيرون الأمور على حقيقتها، وإذا حصل ذلك فقد انتهى الوقت الذي تقبل فيه التوبة والإيمان، عندها يؤمنون بإيمان لا ينفعهم لأنهم تركوا ذلك في الوقت المحدد واعترفوا به بعد فوات الأوان، بحثوا عمن يشفع لهم ولا من يشفع، طلبوا العودة إلى الدنيا ليعملوا وقد كانوا فيها فما عملوا، أضاعوا عمرهم في التوافه فخسروا أنفسهم وتركهم الذين ادعوا أنهم شفعاء لهم عند الله، فالعاقل من يتعظ بغيره من يسارع إلى قبول الحق والخضوع له، من يصدق الرسل ويصدقهم فينتفع بما جاءوا به فيسعد، والحظ يأتي للإنسان مرة واحدة فإن اغتنمها فاز وإلا ضاع وخاب، فاللهم وفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة