الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين خطأين  
سورة الأعراف   الآيات 1 - 30


سورة الأعراف سورة مكية نزلت عام الحزن بعد أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم من شعب أبي طالب وبعد موت أبي طالب وموت خديجة رضي الله عنها، في وقت اشتد الأذى على النبي صلى الله عليه وسلم وتفننت قريش في ذلك، فنزلت هذه السورة لتواسيه فتشد من أزره تقوي عزيمته ترفع من معنوياته، وهي تساعد كل داعية تعثّر في مواجهة المجتمع. في جملتها قصص الأنبياء آدم فمن بعده مع تركيز على قصة موسى وبني اسرائيل لما فيها من أحداث تنفع الدعاة، وآياتها 206 آيات، وفيها أول سجدة من سجدات التلاوة. { المص } استفتح البيان بالحروف المقطعة بعد النساء والمائدة والأنعام، وذكر هنا أربعة حروف يومئ بها إلى الصعوبات التي عاناها النبي، وهذه الحروف فيها معنى التحدي والإعجاز وإن لم يتحدى بمعارضة القرآن أو بعضه، كأني به يقول للعرب هذا القرآن مؤلف من جنس الحروف التي تشعرون بها وتخطبون وتتكلمون، فإن كان قولكم صحيحاً فعارضوه { كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } كتابٌ نكره لتعظيمه وجاء تعظيمه من ناحيتين: الأولى من تنكيره والثانية من وصفه بالجملة الفعلية "أنزل إليك" فشأنه عظيم لذلك أشاد به وخص النبي تشريفاً له، ثم جاء بالفاء الفصيحة التي تفصح عن شرط مقدر كأنه قال "إذا كان كتاباً عظيماً منزلاً إليك فلا يكن في صدرك حرج منه"، حين يكرم الله عبده فيوحي إليه بكتاب من عنده يجب أن يتسع صدره ويأنس ولا يتضايق مهما حصل له ثقةً بالله واعتماداً عليه، وحاشاه أن يتضايق ولكن بصفته البشرية شعر بضيقٍ شديد نتيجة ما قابله به قومه، كأن الله يقول له "إنما أنزلت القرآن لأشرح صدرك وأيسّر أمرك من أجل غرض شريف يتمثل في أمرين: الإنذار والتذكير، فالهدف إنذار المخالفين وتذكير المؤمنين بحضهم على طاعة الله وترك مخالفته، ثم التفت إلى المؤمنين إهتماماً بهم ولأنهم المستفيدون من الأوامر الإلهية فقال: { اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أمرهم باتباع الوحي المنزل إليهم خاصة ومنزله ربكم الذي رباكم بالنعم ونهاهم أن يتركوه ويقبلوا على غيره يستنصرون به وينصرونه، فالولي هو القريب الذي تنصره وتستنصره به، والعاقل يوالي غنياً قوياً والجاهل يوالي فقيراً ضعيفاً، فكانوا بحاجة إلى من يبين لهم وأن يتفكروا في البيان فيصلوا إلى التذكر، وقوله { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } إشارة إلى أن تذكرهم كلا تذكر بجانب ما يجب عليهم، ولما كان الإنسان بحاجة إلى قدوة يقتدي بها وكان يتأثر بالموعظة العملية التي تنقله إلى الحياة ليأخذ منها ما يصلحه على الطبيعة ناسب أن يذكر لهم دليلاً من التاريخ يثبت عقاب المكذبين وكيف أن العقاب يأتي فجأة في أوقات الغفلة فقال: { وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } لا يأتي بأس الله إلا بعد الإنذار، "وكم" هذه خبرية تمييزها "قرية" وجملة "أهلكناها" صفة لها، ولما كان الله لا يعذب إلا بعد الإنذار كما قال: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } تضمنت الآية إشارةً إلى المنذر، فلما لم ينفع الإنذار جاءت العقوبة وإليها الإشارة بقوله: { فَجَاءَهَا بَأْسُنَا } أي عقابنا، شدة تصيب العصاة وتردهم إلى الإستقامة أو عذاب الإستئصال، (بياتاً) في الليل لأنه وقت النوم والغفلة و(القائلون) أي الذين ينامون في وقت الظهيرة، تفرض شدة الحر على أهل الحجاز البقاء في بيوتهم وقت الظهيرة فيؤدي بهم ذلك بعد الغداء إلى النوم، فلما نزل بهم بأس الله أيقظهم من غفلتهم ونبههم إلى ما كانوا معرضين عنه، فاعترفوا بالحق {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } أقروا بأنهم ظالمون لأنهم وضعوا العبادة والطاعة في غير موضعها، ولكن ذلك لا ينفع لأن وقت التوبة قد مضى، كان ينفعهم لو فعلوا قبل نزول العذاب بهم، أمّا وقد نزل فلا منفعة لهم في الإعتراف بل لا بد من الحساب وإليه الإشارة بقوله: { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} أقسم أنه سيسأل المرسل إليهم هل جاءكم نذير فأنذركم وسيسأل المرسلين هل بلغتم ما أرسلتم به، مع أنه لا يحتاج إلى ذلك فاسمعه يقول: { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } فالله جل جلاله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ويعلم السر وأخفى، وإنما يسأل المرسل إليهم والمرسلين ليقيم الحجة عليهم ويلزمهم العقاب، فعلمه محيط لذلك قال وقوله الحق { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} علم ثابت بالأدلة الحسية لأنه لا يعزب عن علمه صغيرة ولا كبيرة، وهو مع خلقه بعلمه في كل حين على ما صرح به في غير آية، وثمرة العلم وفائدته أن يثيب المطيع ويعاقب العاصي لذلك يقول: { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} وزن الأعمال يوم القيامة ثابت فالذي عمل صالحاً ثقل عمله في الميزان، والذي أفسد في الأرض خف عمله في الميزان، والتنوين في "إذٍ" تنوين عوض عن الجملة المحذوفة، (الحق) أي الثابت لأن الله حق ومحمد حق والحساب حق والذي عمل الحق فاز في الدنيا والآخرة، والذي ترك الحق خف وزن أعماله فخاب وإليه الإشارة بقوله: {خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } أخطؤا الطريق وأخطؤا العمل ووضعوا الأمور في غير موضعها فاستحقوا العقاب، ثم بين نعمته على بني آدم فجعل لهم مكاناً يعيشون فيه ويعملون فيه ومكانةً يقدرها الناس وجعل لهم أسباباً يستطيعون بها أو معها تأمين حاجاتهم الضرورية التي تكفل لهم عيشاً كريماً، فاللائق بهم أن يشكروا الله على عظيم نعمته { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } فشكركم كذكركم والواجب عليكم أكثر بكثير مما فعلتم، ثم ذكر نعمة ثانية اعترف بها الخلق كلهم: نعمة خلق آدم وإسجاد الملائكة تقديراً للخالق الذي حوّل المادة الصماء التراب إلى لحم ودم وعصب وجعل في الإنسان دليلاً على خالقه فجعل له قلباً واحداً ولساناً واحداً ورأساً واحداً ليكون في رأي واحد وشخصية واحدة { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} الخلق هو التقدير فالله أعطى الإنسان تقديراً معيناً فالمسافة من ناصيته إلى ذقنه تتناسب مع المسافة من ذقنه إلى صدره ومن صدره إلى سرته ومن سرته إلى قدميه ويتناسب القدمان واليدان في شكل جميل لا أجمل منه ولا أحسن، وجعله يمشي على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء، والتصوير إعطاء كل إنسان صورة معينة تختلف عن غيره فلا تشبه صورةٌ صورة، كانوا يقولون إن الأصابع لا تتشابه واليوم يقولون لا شيء في الإنسان يشبه إنساناً آخر، فبصمة العين وبصمة اليد وبصمة الرجل لكل مخلوق بصمة تختلف عن غيره، ولو أتيت بقطيع خراف لعجزت أن تميز خروفاً عن خروف لأن جميعها له صورة واحدة، وقس على الخراف غيرها من الحيوانات تجد أنها تتشابه بخلاف الإنسان، وهذه نعمة ثانية امتن بها على بني آدم فاستوجبوا شكره، ونعمة ثالثة اسجاد الملائكة لآدم وخضوعهم لله لأنهم سجدوا له، إلا مخلوق واحد لم يكن من الساجدين، هو ابليس مخلوق من نار يشبه الإنسان من بعض الوجوه: يتكاثر مثله ومكلف ومحاسب مثله، لم يكن من الساجدين حسداً لآدم وكراهيةً له، بادره العداوة من لدن خلقه، فلما امتنع سأله {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} في هذه الآية إيجاز حذفٍ لأن ظاهرها قد يبادر للقارئ أن الله يلوم إبليس على السجود والحق أن الله يلوم إبليس على عدم السجود بدليل السياق والسباق فصرّح بالآية الأولى أنه لم يكن من الساجدين، ومعنى الآية "ما منعك من السجود فدعاك ألا تسجد إذ أمرتك" فادعى أنه خير من آدم لأنه مخلوق من نار وآدم مخلوق من طين، فلنبحث أيهما خير النار أم الطين، ففي النار خفة واضطراب وإذا ألقي عليها الطين اطفأها، والطين فيها الثبات والقوة وإذا أدخل النار اشتد وقوي، فلو كان أبليس عاقلاً أو استخدم عقله لعلم أن الطين خير من النار، وحقيقة السجود لم تكن للطين ولكن لخالق الطين ومحول الطين المتصرف في هذا الكون، ولكن التعصب والجهل وعدم اعمال العقل يوقع الإنسان والجن في المهالك، وإنما منع إبليس من السجود لآدم يعني لخلق آدم وتصييره إنساناً الكبر، تأبّى على الأمر الإلهيّ وخالفه جهاراً نهاراً حين قال أنا خير منه إنما قال ذلك لتأثير الكبر الذي هو داء يفتك بالأمم، أضاف إليه احتقار الآخر، ونحن اليوم يتكبر بعضنا على بعض ويتعالى بعضنا على بعض فكدنا لذلك وبذلك أن نفقد البلاد ونضيّع العباد، { قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} أمره بالهبوط من المنزلة الرفيعة التي وضعه فيها لأن من يكون مقرباً من الله لا يتكبر على خلق الله، فلما تكبر عامله بنقيض قصده فبيّن له أنه ما صح ولا استقام لمن أكرمه الله بدخول الجنة وشرفه بالتكليف أن يتكبر على أوامر الله، لذلك طرده من الجنة، والصاغرون هو الأذلاء لأنهم خالفوا أمر الله وتنكروا لهديه، وهنا فكّر إبليس أن يطلب فرصةً فسأل الله أن يؤخر عقابه إلى يوم القيامة قال: { قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ*قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} أجاب الله طلبه وأنظره أي أخره إلى يوم القيامة يحاسبه على عمله أو يثيبه مع سائر الخلق، فبدل أن يشكر تلك النعمة ويطلب المغفرة { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ*ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} إن قصة إبليس تشبه قصة الإنسان الذي يحمل المسؤولية عن عمله غيرَه، فهذا إبليس حمّل الله مسؤولية وقوعه في الخطأ لأن الله كلّفه بالسجود لآدم وهو عالمٌ أنه لن يسجد، فكأنه لما فعل أوقعه في الغواية فقال لله بسبب إغوائك لي بأمري بالسجود وأنت تعلم أني لن أسجد لأتربصن ببني آدم فأزيّن لهم الوقوع في الغواية، أقف في طريقهم فإن جاء ليسلم قلت له أتدع دين الآباء فأصده عن ذلك بذلك، ثم لآتينهم من بين أيديهم من حاضرهم وما هم فيه فأصد الغني عن الإنفاق وأغري المتكبر بالتكبر وأفسد بين الناس، فإذا أراد الإنفاق قلت له ألا تخشى الفقر وإذا أراد الجهاد قلت تموت وتورث امرأتك ويضيع أولادك، فالشيطان ذكر أنه واقف لبني آدم بالمرصاد يدخل عليهم من واقعهم ومن ماضيهم ومن مستقبلهم ومن الآشياء التي يحبون ومن الأشياء التي يكرهون، والنتيجة أن الأكثرية كافرون والقلة شاكرون، هدد اللهَ بوقاحة ما بعدها وقاحة وغوى إلى أبعد حد { قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } طرده من الجنة شر طردٍ فأمره بالخروج من الجنة مذؤوماً ملاماً مطروداً من رحمة الله، وتوعده ومن يسير سيرته ويقبل دعوته بالعذاب الأليم، هكذا أكرم الله إبليس فتنكّر ورفض الخضوع لله وظن أنه يستطيع أن يستغني عن الله فأخزاه الله في الدنيا وفي الآخرة، وفي المقابل أكرم آدم فأسكنه الجنة { وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أباح له الأكل من جميع ثمار الجنة إلا شجرة واحدة عينها بالإشارة نهاه عن قربها لأن قربها مظنة أن يراها حسنة المنظر ويأكل منها، ولما كان الأكل سببه القرب سد الطريق إلى الأكل بمنع الإقتراب منها وحذّره بأنه إن أكل كان من الظالمين، وحقيقة الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فاستغل الشيطان غريزة الإنسان في حب التعرف على الأشياء واكتشاف الخبايا والخفايا، فدخل عليه من ذلك الباب وأقنع نفسه أنه إن عصى الله فيعصيه ليكون في موضع خير من الموضع الذي هو فيه، فإذا صار مَلَكاً كان أقدر على عبادة الله وطاعته، وإذا صار من الخالدين بقي يعبد الله زمناً طويلاً ،اشتهد عليه السلام فأخطأ في اجتهاده واستغل الشيطان بساطته وطيبه على ما سنرى فأوقعه في شراكه، { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ*وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} الوسوسة هي الإعلام والتزيين في خفاء، وظاهرها خير والهدف منها شر، إن الله خلق آدم وحواء في الجنة وألبسهما من ثياب الجنة، وثياب الجنة لا تستر عاصياً فإذا عصى الإنسان تكشفت سوأته، لذلك وسوس الشيطان ليظهر لهما ما خفي عنهما من سوآتهما، وبرر وسوسته بعلة تقوي غريزة آدم في حب اكتشاف الأشياء والتعرف إلى الخفي منها، وحرك فيه شهوة البقاء والخوف من الموت فأخبره أن الله إنما نهاه عن الأكل من الشجرة لأن لا يتحول إلى مَلَك أو يتحول إلى إنسان خالد لا يموت، والإنسان بطبيعته يحب الحياة ويخاف الموت فكان سهلاً على إبليس استمالة آدم، فحلف لآدم أيماناً مغلظةً إنما يقول ما يقول نصيحةً لآدم وسعياً في تأمين مصلحته، وخدع آدم فانخدع له، وهذه القصة تخالف ما ورد في سفر التكوين، ففيه دخل الشيطان إلى الجنة في بطن الحية وكانت الحية من أجمل الحيوانات وسألت حواء هل منعكم الله من الأكل من ثمار الجنة؟ ولما علمت الحية أو إبليس أن الله أذن لآدم وحواء أن يأكلا من جميع ثمار الجنة إلا شجرة واحدة سماها العهد القديم "شجرة معرفة الخير والشر"، فزينت لها الأكل من الشجرة هذه وحسنت ذلك لها فأكلت فلم يصبها شيء، فأخذت شيئاً من ثمرها وأطعمت زوجها، فما إن أكل منها حتى ظهرت له سوأته ولها سوأتها، لم يذكر أن أبليس حلف لآدم وحواء ولا شيئاً من أخبار القرآن، وإنما الذي خاط لهما القمصان في العهد القديم هو الله رب العالمين، ومهما يكن فليس قصدنا نقد العهد القديم ولا إصلاحه، ولكن نذكر شيئاً من المقارنة بين القرآن والعهد القديم، وانظر معي إلى السورة البيانية التي بينتها الآية {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ*قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} سورة بيانية رائعة آدم وحواء معلقان في علوٍّ ينزلان إلى الأسفل، وجعل الغرور أي الخداع بكلام العدو سبباً في الوقوع بالخطأ، فما إن أكلا من الشجرة حتى ظهر لهما سوآتهما، فبدآ يتستران بأوراق شجر الجنة وفي العهد القديم أوراق التين، والقرآن أطلق فقال من ورق الجنة، فعاتبهما الله لأنهما خالفا الأمر الإلهيّ فتركا جميع اشجار الجنة وأكلا من الشجرة الوحيدة التي منعهما الأكل منها، وحذرهما من عداوة الشيطان لهما فلم يحذرا مع أنه أخبرهما أن عداوة الشيطان واضحة المعالم بينة لم يعمل عقله وفكره يراها، هكذا سأل الله آدم وحواء، أما في العهد القديم فيقولون سمع آدم صوت الرب الإله ماشياً في الجنة بعد العصر فاختبأ، فناداه الله أين أنت يا آدم، قال سمعت صوتك ماشياً في الجنة فاختبأت لأني عريان، قال الرب الإله من أخبرك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة؟ المرأة التي صنعت لي هي أطعمتني، قال للمرأة هل أكلت من الشجرة قالت الحية هي أطعمتني، فقال الرب لآدم بعرق جبينك تأكل خبزك تنبت لك الأرض شوكاً وحسكاً، وقال للمرأة إلى زوجك تحنين وبالألم تضعين ومسخ الحية فقد كانت من أجمل الحيوانات لها أربعة أرجل فصارت تزحف على بطنها، وهذا ينافي خلق الله الحيوانات على ما علمنا من خلقها على هذه الصورة، وعطف المرأة على زوجها وحبها له وشوقها إليه أمرٌ مطلوب لتكتمل الحياة الزوجية وينشأ الزوجان مجتمعاً صالحاً يتعاونان فيه على تربية ذريّة صالحة، وقول الرب لآدم بعرق جبينك تأكل خبزك...الخ يناقض مع ما ورد في القرآن من تسخير كل شيء في السماء والأرض لبني آدم، فآدم هو المخلوق الأخير الذي خلقه الله بعد أن خلق له كل شيء، فمن أراد المزيد فليرجع إلى أول سفر التكوين يجده واضحاً. لم يذكر العهد القديم توبة آدم ولا عقّب عليه، وذكر أن الجنة التي أدخلها آدم بستان من بساتين الدنيا، وأن بعض أنهارها من الأنهار التي في بلاد الشام أو في العراق على التحديد، ولم يشر القرآن إلى شيء من ذلك. وجمهور المسلمين على أن الجنة التي أدخلها آدم هي جنة الخلد وأجابوا عن الإشكال في أن من يدخل جنة الخلد لا يخرج منها، فقالوا إن من يدخلها ابتلاء قد يخرج منها ومن يدخلها جزاءً لا يخرج منها. أعلن آدم وحواء توبتهما من الذنب الذي ارتكبا باجتهاد وتأويل متأثرين بنصيحة الشيطان معترفين بعجزهما وحاجتهما إلى المغفرة، وعللا ذلك بأنهما إن لم تدركهما رحمة الله كانا من الخاسرين، فتجاوز الله عنهما لكن لكل خطأ عقوبة وكانت عقوبتهما أن يخرجا من الجنة هما وابليس وأن تكون العداوة بين آدم وابليس مستمرة، وأن لبني آدم مقر في الأرض ومتاع إلى حين، فبعد أن كانا مكرمين معززين أهبطوا إلى الأرض، أما في العهد القديم فإخراج آدم من الجنة كان لخوف الإله من أن يأكل من شجرة الحياة فيكون من الخالدين، فطرده الله من الجنة لأن لا يتمكن من ذلك، وهذا يقوي نظرية الشيطان في أن طعاماً ما يمكن أن يحول الإنسان إلى خالد، والمسلمون يعتقدون أن كل مسلم ميتٌ بعمره طال الزمان أو قصر لا بد من ذلك، وبيّن أن في الأرض حياتهم ومماتهم على حد قوله: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}، {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ*قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} ثم امتن على بني آدم منادياً لهم {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} اللباس نوعان شعار ودثار، أشار إلى الأول بقوله { لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُم} وهو اللباس الملاصق للبشرة ليس بينه وبينها حائل، والدثار لباس زينة وإليه الإشارة بقوله {وَرِيشًا} وكما أن الإنسان يحب أن يكون ثوبه نظيفا وجميلا، عليه أن يحرص على أن تكون نفسه طاهرةً من الحقد والحسد والجبن والبخل، أشار إلى هذا قوله: { وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ} كأن التقوى قد سترت نفسه وغلفتها فحمتها من الأدواء النفسية، من هنا كان ذلك خيرا، ثم لفت نظر بني آدم إلى أن الآيات المتلوة تهذب السلوك وتقوم ما اعوج من الأخلاق وتصوب المسير، فبيّن أن إعجاز القرآن كاملٌ في بناء أمة صالحة تبني ولا تهدم، مستقيمة في نفسها مقوّمة لغيرها، ومع الترغيب لا بد من الترهيب، وإذ قد امتن باللباس ناسب أن يحذر من مكائد الشيطان لتجريد الإنسان من ثيابه الحسية بأن يجعله عاريا ومن ثيابه المعنوية بجعله إنساناً مائعاً لا طعم له ولا لون ولا رائحة {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } حذّر من طاعة الشيطان وتزيينه الشر للإنسان حتى يوقعه في الفتنة، ولما كان السعيد من وعظ بغيره لفت نظر بني آدم إلى تأثير الشيطان على أبويهم فكان سبباً في إخراجهما من الجنة بعد أن جردهما من ثيابهما الخارجية ومن التقوى وجرأهما على معصية الله ومخالفة أمره فطردا من الجنة، وطردهما عرضهما لغضب الجبّار والعقوبة وهكذا كل عاصٍ معرض لغضبه، ولفت نظرهم إلى أن الشيطان وقبيله يروا بني آدم دون أن يراهم بنو آدم، فالله مكّن الشياطين من رؤية بني آدم ولم يمكن بني آدم من رؤيتهم، ثم حذّر بني آدم من موالاة الشياطين ونصرهم والإستنصار بهم لأن الشياطين يوالون المتنكرين لأوامر الله، من هنا بيّن أن أول صفة يجب أن يبتعد عنها المؤمن هي موالاة الشياطين لأن أولياء الشياطين الذين لا يؤمنون، فأول خطوة يطاع بها الشيطان تخرج الإنسان من الإيمان، فإذا خرج تجرأ على المعصية:الكبائر والكذب على الله، إلى ذلك أشار بقوله: { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فلما خرجوا من الإيمان انغمسوا في معاصي الله وكذبوا عليه، فادعوا أنه أمرهم بالفواحش فناسب أن يتوعدهم على طريق الإستفهام الإنكاري وكأنه يقول لهم "لا تقولوا على الله قولاً لا دليل عليه ولا حجة فيه"، ولما بيّن حال أولياء الشياطين أتبعه ببيان أوامر الله وهي ثلاثة إليها الإشارة { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} القسط العدل وهو إعطاء كل ذي حق حقه، وعدم الإعتداء على أحد أو الإساءة إليه، وذلك لا يتحقق إلا إذا عرف الإنسان ربه وخضع له، فأدى كل ما كُلف به وأخلص دينه له، ثم بين أن الحياة الدنيا دار ممر وأن الحياة الأخرى هي الحياة الحقيقية، وأن الناس في الآخرة فريقين لا ثالث لهما {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} أما الفريق الأول فعرف الله وخضع له فنفّذ أوامره وامتنع عما نهى عنه فاستحق الفوز في الدنيا الآخرة، وإليه الإشارة بقوله: { فَرِيقًا هَدَى} وأما الآخر ف {حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء فنصروهم على بني جنسهم واستنصروا بهم واعرضوا عن الله فلم يطيعوه فعميت بصيرتهم وكلّ فهمهم فظنوا أنهم على صواب مهتدون لأنهم عجزوا عن التمييز بين الحق والباطل بين الخير والشر بين الهدى والضلال. ما أحوجنا إلى الله نستعين به على فهم كتابه والإعتبار بآياته فاللهم وفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة