الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

قل تعالوا أتلُ  
سورة الأنعام   الآيات 145 - 165


لماّ أكثر المشركون الجدال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، رد عليهم رداً مفحماً قائلاً: "لا حرام إلاّ ما أحللتم بأهوائكم، ولا حلال إلاّ ما حرّمتم بأهوائكم"، فقال: { قُل } يا محمد { لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ } ومعنى الآية لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على من يريد الأكل منه مما أحللتموه إلاّ ثلاثة أشياء، فالقصر هنا إدعائيٌ يفسّره السياق وليس معنى هذا أن الآية حصرت المحرمات بهذه الثلاثة لكنها تردّ عليهم ما أحلوه مما ليس حلالا، فذكر الميتة وهي ما مات حتف أنفه من الحيوان مأكول اللحم أو ما مات بفعل آدميّ لكن لا على طريقة الشرع أو ما ذبح على غير اسم الله من أشخاص أو حجارة، فالميتة التي كانت يشترك في أكلها الذكور والإناث حرام وعليها طال الجدال، الثاني الدم المسفوح أي الدم السائل الذي لا يكون جامداً فيخرج الكبد والطحال والدم الذي يبقى في العروق بعد التزكية، والثالث لحم الخنزير والحرام كل الخنزير لكنه نصّ على اللحم لأنه المقصود من تربيته، ثمّ بيّن العلة فقال: { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } أي نجس ويصدق هذا على الثلاثة أي الميتة التي ماتت حتف أنفها والدم ولحم الخنزير، أم الميتة الأخرى فأشار إليها بقوله: { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ } أي ذبح على غير اسم الله، ثم بيّن الأحوال التي يجوز معها أكل هذه المحرمات بطريقة قريبة مما بينه أول السورة فقال: { فَمَنِ اضْطُرَّ } يعني إلى أكل شيء من هذه الأشياء الثلاثة أو غيره لمجاعة أصابته فقدَ معها الحلال، { غَيْرَ بَاغٍ } أي غير طالبٍ للحرام مع وجود الحلال { وَلاَ عَادٍ } في الأكل من المحرّم فوق الحاجة الضرورية { فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لم يكلف الإنسان مشقة الموت جوعاً رحمةً به وتجاوز عنه فغفر له زلّته بأكل شيء من الحرام حال الاضطراب، ثم بيّن ما حرّم على أهل الكتاب جيران المشركين فقال: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } أي ذي إصبع والمراد به الجمل ذكره وأنثاه وما له مخلب من الطير { وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } فبيّن المحرمات على أهل الكتاب وهي محرمات كان حرمها يعقوب على نفسه بطريق النذر، يقال إنه مرض مرضاً شديداً فنذر لإن شفاه الله ليحرمن هذه لأنها كانت أطيب الأشياء عنده، ولأنه كان يحب الدسم ترك له شيئاً منه فاستثنى وقال: { إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } فأباح إلية الخروف لاتصالها بالعصعص وأباح الشحم المتصل باللحم على الظهر أو الأمعاء، { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ } إنما فعل ذلك عقوبة لهم على بغيهم وشهد لنفسه أنه صادق وأكد ذلك بمؤكدين "إن" و "اللام" التي يجوز فيها أن تكون لام الإبتداء التي تزحلقت أو اللام الواقعة في جواب القسم. ولماّ كان اليهود متمرسون بالكذب لا يستحيون منه لقّنه الحجة حتى لا ينفعل، وعلّمه الجواب المسكت الذي لا يستطيعون معه حراكاً فقال: { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } فجاء جواب يعجز الخصم أن يتكلم معه وحكم عليهم أنهم مجرمون دون أن يحكم تلميحاً لا تصريحاً فلله دره يعلّم الناس الأدب وأدب الحوار على الخصوص بطريقة نحن في أمس الحاجة إلى مثلها، ولما ذكر احتمال تكذيب اليهود النبي ذكر تكذيب المشركين أو إن شئت قل إدعاءهم الباطل { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ } من أين علمتم ذلك؟ هل أشركتم لأن الله أمركم بالشرك؟؟ ما الدليل وهل أشرك آباؤكم بنفس السبب أم هو الهوى!!، ولما كان للكلام نسبتان، نسبة ذهنيةٌ ونسبة خارجية وكان الصدق في تتطابق النسبتين، والكذب في تخالفهما كان كلامهم نوعاً من الكذب أجابهم عليه دون أن يهجم عليهم فقال: { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم } واستمروا على الكذب حتى ماتوا أو عذّبوا، { حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } بإحدى الوسيلتين، ثم سألهم السؤال المسكت الذي يبيّن أنهم على الباطل وشرّف نبيه بالخطاب وأمره أن يسألهم هذا السؤال ليشعرهم بالإعراض عنهم { قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } والمراد بالعلم دليل قطعي يثبت الحق ويدل عليه ومعلوم أنهم يتكلمون بأهوائهم وينطلقون من أوهامهم لذلك أكمل كلامه { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } أي ما تتبعون إلا ظنكم والظن أكذب الحديث، مع أن قولهم هذا حقٌ ولكن قولهم له باطل لأنه لا دليل لهم عليه، والقرآن لا يهرب من الحق لكنه يعلنه على رؤوس الأشهاد، { قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء} هدايتكم { لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } فالكون بيده والأمر أمره حكمه مستند إلى العلم القطعي، فمن يرى فيه نفساً طيبة مائلة للخير داعية إليه يوفقه لكل خير ومن تكون نفسه شريرة لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً يخذله لأن قلبه مظلم وفعله قبيح. ثم توجه إليهم بالسؤال الذي يكشف حالهم فقال: { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا } يعني ما سبق ذكره والحديث موصول بما سبق، ولما كان احتمال أن يأدوا الشهادة لا على وجهها، وكانت شهادتهم محتملة أرشد رسوله فقال: { فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } لأن شهادتهم مبنية على الهوى لا على دليل قطعي وأتبع ذلك { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } فمن يتبع الهوى يدفعه هواه إلى إنكار البعث والتكذيب بآيات الله ومساواة الخالق بالمخلوق والإنحراف عن الجهة الواجب اتباعها إلى جهة مخالفة، وهنا حان الوقت ليبيّن المحرمات بياناً شافياً على غرار ما فعل في الكتب السابقة، اعلنها دعوةً عامة { قُلْ تَعَالَوْاْ } ارتفعوا عن حضيد المادة والتعلق بالمظاهر الكاذبة واتباع الشهوات، { فإن تأتوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } أبيّن لكم المحرمات الأهم ثم الذي يليه فذكر أول المحرمات { أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } أي أن تعبدوه ولا تعبدوا غيره، لا معه ولا منفردا لأنه صاحب النعمة التامة والفضل العظيم، ثم ذكر الوصية الثانية { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } وأحسنوا بالوالدين إحساناً لأنهما أصحاب النعمة الحسية الظاهرة على الإنسان، فالأب أعطاه إسمه وكفله بماله والأم حملته وأرضعته وربته ورعته فكان لا بد من برهما والإحسان إليهما وسيأتي تأكيد هذه الوصية في سورة الإسراء وغيرها، أما الوصية الثالثة فهي { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } الأولاد نعمة أنعم الله بها على الآباء فيجب عليهم شكرها برعايتهم وتربيتهم والإهتمام بهم وإصلاح شأنهم، ويحرم قتلهم بفقر حاصل، ف"من" بالآية بيانية وقال في موضع آخر { خَشْيَةَ إِمْلاقٍ } أي الخوف منه إذ لم يكن حاصلاً وقت القتل، وبيّن لهم هنا أنه الرزاق { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } فالله هو الرزّاق يرزق الآباء والأبناء جميعا، وإذا زاد الأولاد زاد الله رزقهم، وقال في الإسراء: { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } أما الوصية الخامسة فقوله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } وإنما جاءت هذه بعد الحديث عن الأولاد لأنهم كانوا يستعيضون عن الزوجات بالزنا، والفواحش جمع فاحشة وهي الخصلة المتناهية بالقبح ظاهرةً كانت أو خافيةً، أعلن بها أو سترها، ولما نهى عن قتل الأولاد نهى عن قتل النفس المحترمة فقال: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ } يعني قتلها { إِلاَّ بِالْحَقِّ } وهي زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان والنفس بالنفس ثلاثة أسباب توجب القتل وغيرها يجب احترامه وعدم الإساءة إليه، وختم هذه المجموعة من الوصايا بقوله: { ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تعقلون خطابه وتفهمون ما فيه من الحكم والأحكام. ولماّ أمر ببر الأولاد والرفق بهم أمر بحفظ أموال اليتامى وتثميرها حتى إذا بلغوا، كانوا أغنياء ذوي مالٍ يستطيعون معه تأسيس مستقبل لهم { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ } يعني بالطريقة التي هي أحسن بتثميره والمحافظة عليه ورعايته وأذن الله لولي اليتيم إن كان محتاجاً أن يأكل من غلة المال بالمعروف، وإن كان مستغنياً بماله عن مال اليتيم أن يتعفف، وهذه الرعاية ممتدة { حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } أي كمال نموه واستعداده لتحمل المسؤولية فيدفع إليه ماله كما بين في سورة النساء ويشهد عليه. ولما كان الوفاء بالعهد واجب ديني وإعطاء الناس حقوقها فرضٌ على كل مكلّف وكان حق العباد مبنياً على المشاحة، أمر بالصدق في الكيل والوزن { وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } أي بالعدل وقال في موضع { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ } وذم المطففين وأوعدهم في موضع ثالث وقال هنا: { لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } يعني أن هذا العمل يجب مراعاته وتحري الدقة فيه بقدر الطاقة البشرية، ثم قال: { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ } على غرار ما أدب به عباده في سورة النساء، والقول يشمل الحكم والشهادة وما في معناه والإقرار لذلك قال: { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } يعني المقول له والمقول عنه { وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ } واجب تحمله الإنسان وأخذ عليه العهد أن يقوم به فلا يجوز له التخلي عنه { ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فإذا عقلوا الأحكام وفهموها وتدبروا ما فيها عرفوا الله وحكمته وعدله ولطفه وفضله فتذكروا أوامره ونواهيه فامتثلوا بفعل ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه. ولما كان الدين واضح المعالم ثابت الأسس قال: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ } شبّه الدين بالطريق المستقيم لأنه أقرب مسافة بين نقطتين، وأضافه إلى نفسه تعظيماً له وإشادة به وجعل "مستقيماً"حال لأنها تثبت أن الإسلام واضح المعالم بيّن الحجج لا ميل فيه وانحراف وأمر باتباعه، وفي ذلك نهي عن اتباع الطرق المختلفة، وأكد على مفهوم فاتبعوه بمنطوق قوله: { وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } إن التفرق والإختلاف يبعد الناس عن منهج الله ويوقعهم في شراك الشيطان والهوى والأنانية والتعصّب، { ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } هي خاتمة الوصايا المجموعة الأولى حققت العقل والثانية حققت التذكر بعد التفكر والثالثة حققت التقوى الناتجة عن عقلٍ وتفكرٍ وتدبر، { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } أي التوراة { تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ } وقال في الأعراف: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ }، { وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } فآتى موسى التوراة وجمع له فيها ما يحتاج له بنو إسرائيل في وقتهم وأكرمهم يشريعة صالحة لوقتهم وافيةً بحاجاتهم، قدّم لهم الأدلة ليتفكروا فيها ويتوصلوا إلى الإيمان باليوم الاخر عن طريق البحث والنظر والإستدلال، ثم جاء دور خاتمة الكتب { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } وفي إختياره كلمة "الكتاب" و "كتاب" إشارة إلى أن الوحي المتلو واجب الإتباع، وقوم الرسول مسؤولون عن تنفيذ ما فيه، كثير الخيرات عظيم البركة، قوله فصلٌ وأوامره واجبة التنفيذ وطاعته واجبة، أشار إلى ذلك بقوله: { فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }، وفي قوله" كتاب أنزلناه" نكّر الكتاب ليدل على عظمته، ووصفه بجملة أنزلناه ليدل على أنه منزل من عند الله يحقق للإنسان مصلحته لأن خالق الإنسان هو الأعلم بمصلحته. ثم انتقل القرآن إلى بيان الحكمة من إنزال القرآن فبيّن أنه أنزله ليكون إنزاله حجةً على العرب يقطع حجتهم ويلزمهم اتباع ما فيه، وحتى ينال العرب ما أوتي غيرهم من الأمم فلا يطلبون مزيدا، أشار إلى هذه الحكمة قوله: { أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } كأنه قال لأن لا تحتجوا عليّ بقولكم أنزلت الكتاب على طائفتين من قبلنا هم اليهود والنصارى { وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } إن التوراة والإنجيل لم تكن معرّبة وقت نزول القرآن ولا قبله، ولا كان العرب يعرفون اللغة العبريّة أو الآرميةّ ولم يكونوا مهتمين بالنظر في الكتب السابقة، وإنما حصلت ترجمة العهد القديم والعهد الجديد في أوائل القرن الماضي ولا يزال أهل الكتاب يصححون في ترجمته مرة بعد مرة ليرتقوا به إلى الأسلوب الأمثل، فقولهم كنا عن دراستهم لغافلين دليل واضح على أنهم لم يلتفتوا إلى كتب الأمم السابقة ولا فهموا ما فيها، مع أنهم كانوا يعرفون بعض الأشياء فلعلها انتقلت اليهم من ملاقاة النصارى واليهود والتحدث إليهم، ثم إن العرب زايدوا على غيرهم كما يزايد الناس في أيامنا هذه، فردّ عليهم القرآن مزايدتهم في وجههم بأبلغ عبارة فقال: { أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ } ما شاء الله ما أتقاهم فهاهو الكتاب ينزل عليهم فماذا فعلوا، إنه القرآن بأسلوبه الفريد يرد عليهم أبلغ رد { فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } فلماذا لم تؤمنوا به؟ وعاديتموه مع قيام الدليل الواضح على صدقه وأمانته ومع تأييد المعجزة بل المعجزات الحسيّة والعقليّة له، إنه الظلم الشديد الذي وصل الغاية وبلغ القمة { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا } لا أحد أشد ظلماً ممن كذّب بآيات الله ومال عنها وصادمها وردّها وحاول صرف الناس عن الإيمان بها، لا أحد أشدُ منه ظلما، يؤكّد ذلك { سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } وعيدٌ تنخلع له القلوب ويستسلم له العقلاء ويرتدع عنه من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. ماذا ينتظرون ليؤمنوا؟ أينتظرون نزول الملائكة لقبض أرواحهم والإنتقام منهم؟ أو يأتي أمر الله بالإنتقام منهم، أو يأتي بعض المعجزات التي تكون آخر الزمان كخروج الشمس من مغربها وظهور الدابة ونزول عيسى عليه السلام { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } يوم تطلع الشمس من مغربها وينزل المسيح وتخرج الدابة لا ينفع نفساً إيمانها لأنها لم تكن آمنت بالوقت المحدد لإيمانها، مصداق ذلك { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } يوم تحدث الآيات الكبرى التي هي مقدمات فناء الأرض ونهاية العالم لا ينفع الإيمان في ذلك الوقت ولم يكن آمن قبله وعمل بطاعة الله، فإن كانوا مصرين على الإنتظار إلى الوقت الذي ترفع فيه التوبة ويؤخذ الناس بأعمالهم { قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ } لنرى حالكم ومآلكم وقد بينا لكم ما تحتاجون إليه وأقمنا لكم الأدلة التي تقطع الشك باليقين، فأثرتم الهوى وتركتم الحق وفرقتم جماعتكم ساعين وراء منصب أو وظيفة أو جاه أو سلطان، شاقين عصا الجماعة مفتتين عراها، مخالفين أمر الرسول صراحةً وضمناً دون خجل أو حياء، ما دعى الله جل جلاله إلى أن يبريء الرسول من هذه الجماعة المتنافرة المتناحرة. {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } شيعاً ومذاهب مختلفة يعارض بعضها بعضاً { وَكَانُواْ شِيَعًا } جماعات مختلفة متنافرة خلاف المجتمع الذي أسسه رسول الله { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } أي إنه يبريء رسوله من فعله لأنه أوصى بالجماعة وحض عليها، ومع ذلك لم يأمره بقتالهم { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } وكَل أمرهم إلى الله عز وجل فهو الحكم العدل يفصل بين خلقه ويحاسبهم { مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } كرماً منه وفضلاً { وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } العدل أن يعاقب المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه ولكن فضل الله عامل المحسن بعشر أمثال إحسانه وعامل المسيء بإساءة واحدة، لأنه عدلٌ، ثم أمر رسوله أن يواجه الناس بحقيقة لا بد أن يجهر بها كل مؤمن، ورأسهم محمد صلى الله عليه وسلم { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } واجه الناس فأخبرهم أن الله هداك إلى أقرب طريق يوصل إلى الجنة، فإن جئت تسأل عنه أتاك الجواب { دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } ديناً مستقيماً بنفسه مقوماً للناس يسلك بهم سبيل الرشاد ويجنبهم الفساد، والزم ملة إبراهيم عقيدته التي كان عليها وطاعته لله وإقباله عليه وإعراضه عمن سواه { حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } حنيفاً أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد وعن الكفر إلى الإيمان وعن المعصية إلى الطاعة، وما صح وما استقام له أن يعبد مع الله غيره أو أن يعبد غير الله، كأن سائلا سأل فأخبرنا عن صلاتك وعبادتك، فأمره أن يقول { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } الصلاة معروفة والنسك كل عبادة يتقرب بها إلى الله، فالحج نسك وذبح الهدايا والأضاحي نسك، ومحياي أي حياتي خلصتها من الشوائب وجعلتها تتجه إلى الله ومماتي كذلك، فلا أموت إلا حيث أذن لي أن أموت ولا أقتُل إلا من أذن لي بقتله، فجعل صلاته ونسكه وحياته وموته لله رب العالمين، رباه بالنعم من لدن أن كان جنيناً وإلى أن يموت، لأن الإنسان في هذه الحياة بين نعمتين، نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، فإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم أخلصا لله بكلّيتهما وحكماه في جميع شؤونهما ولم يلتفتا إلى أحدٍ لأنه لا أحد يستحق أن يُلتفت إليه، ولأن أمر الله واجب التنفيذ، { لاَ شَرِيكَ لَهُ } كما قال له الخلق والأمر، وكأنه يقول:"هذا ملخص عقيدة المسلم"، { وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ } وذيّل الآية بقوله: { وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } سبق الأمة للإسلام فآمن ثم دعاهم إلى الإسلام، فكان أسرع الناس إستجابة، ثم جادلهم بالمنطق مشرفا بالخطاب من الله مبلغاً القوم أوامره { قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا } أأطلب غير الله رباً يرعاني وهو الغني القوي المعطي المانع! { وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } لا يقول بهذا عاقلٌ بل الجميع يسلّم بأن المستحق للعبادة هو الله، ثم بين أن كل إنسان مسؤول عن عمله محاسبٌ عليه مهما كان صغيراً أو كبيراً وجاء بها قاعدةً كليّة { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } نبّه بالقسيم على قسيمه لأن كسبها إما خير { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } وإما غير ذلك فإليه الإشارة بقوله: { إِلاَّ عَلَيْهَا } ثم نهى الخلائق عن تحميل المسؤولية إلى غير الجاني فكل إنسان يحمل أوزار نفسه { وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا } وقال هنا: { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيثبت الحق ويثيب عليه، ويثبت الخطأ ويعاقب عليه، ثم بيّن الحكمة من خلق الناس مختلفين ليجتمعوا على عمارة الأرض وإصلاح الحياة فلو كانوا جنساً واحداً لما استطاعوا عمارة الأرض، إن وجود الفقراء والأغنياء والعلماء والعامة والمتخصصون يثري الفكر ويجمع الكلمة ويغني الحياة، وهكذا خلق الله لنا يدين لنبني بهما ورجلين لنمشي عليهما وشفتين تحميان الفم { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } فالغني يكفي الفقير والعامل يؤمن حاجات المجتمع وكل إنسان يؤدي الوظيفة التي تصلح حياته فالدنيا دار إبتلاء والجزاء في الآخرة، وكما أن الأصابع مختلفة الطول إذا نشرت تتساوى إذا قبضت، تُمسك بإحكام كذلك المجتمع يساند بعضه البعض ويكمل بعضه البعض فتستقيم الحياة وتزدهر وتتحد الصفوف، ومهما يكن فالإبتلاء حاصل وسيبقى قوله: { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } يضبط حركة الحياة ويجمع الناس وينظمهم في سلك واحد، فاللهم وفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة