الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وقالوا هذه أنعام... 
سورة الأنعام   الآيات 128 - 144


يستفتح البيان بذكر يوم القيامة، يبيّن حال المتّفقين في الدنيا على الباطل المختلفين في الآخرة على الحق، وبعد أن ذكر جزاء الصالحين العاملين، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: { وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } العامل في الظرف "أذكر أو يحشرهم" وطوى جانباً من القصة متوجهاً بالخطاب { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ } أي تقويتم بهم واستعنتم عليهم في نشر الشر، { وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا } فاعترفوا بأعمالهم القبيحة والفساد الذي نشروه بين أفراد المجتمع، والإعتراف سيد الأدلة، وصدر الحكم { قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ } يجوز في "إلاّ" وجهان من الإعراب: أن تكون على بابها فيكون مستثنى المدة التي يُرفع فيها العذاب عن أهل العذاب في قبورهم بين النفخة الأولى والنفخة الثانية، ويجوز أن تكون بمعنى الواو أي خالدين فيها وزيادة وما شاء الله، تقدير لهذه الزيادة، ومثواكم أي مقامكم، ثم ختم الآية بقوله: { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ } قدّم الحكمة على العلم لأن الحكمة تدعو إلى وضع العلم في موضعه، وحكمة الله كذلك، فإذا اجتمعت الحكمة والعلم كان الفعل صائباً لا محالة.
{ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } تعليل لما أصاب الجن من تشجيعهم الإنس على الباطل وما أصاب الإنس من استعانتهم بالجن على بني جنسهم، فكلا الفريقين أخطأ، فما كسبوه من الأعمال السيئة حصدوه بالجزاء العادل، ولما كان المكلّف لا يعاقب إلاّ بعد الإنذار وإقامة الحجة عليه جاء سؤال الجن والإنس لإقامة الحجة عليهم وبيان أنهم محجوجون فقال: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا } لبيان أنه أقام الحجة عليهم وأنه لا عذر لهم فاعترفوا بذلك { قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ } إعترفوا بين يدي جبار السماوات والأرض أن الله أرسل إليهم الرسل وأقام لهم الأدلة وبين لهم أحسن بيان، فالتفتوا إلى الدنيا واشتغلوا بها، فلما وقعت الواقعة شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين فاستحقوا العقاب المناسب، فعقّب القرآن ببيان الحكمة من إرسال الرسل وإقامة الأدلة { ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } يعني أن الله ما صح أن يُهلك القرى في غفلة من أهلها، بل ينبههم ويحذرهم حتى إذا أهلكهم لم يكن لهم عذر، وفي مقابل الكافرين يثيب المؤمنين ويعلي درجاتهم بسبب أعمالهم الصالحة فقال: { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ } عدلُ الله أن يثيب المطيع ويرفع درجته ويزيد في حسناته فهو قائم على كل نفس بما كسبت { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } لا يشغله شأنٌ عن شأن ولا ترهقه كثرة الحوائج، حليم على من عصاه رحيم بخلقه لولا ذلك لأهلكهم وصدق حين قال: { وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ } هو غنيٌ عن كل ما عداه وكل ما عداه مفتقر إليه، صاحب الرحمة العامة الشاملة، فرحمته سبقت غضبه فلولا ذلك لانتقم من من عصاه { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } إذا تفكّر الإنسان علم أن الدنيا ما وصلت إليه إلا بعد غيره وسرعان ما يتركها إلى غيره والإنسان بحاجة إلى الله فلا يظنن ظانٌ أن باستطاعته التخلي عن الله وتدبير شؤونه بنفسه، وأن الله غير مطلع عليه ولا محاسبٍ له، من هنا جاء قوله: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } يقرع الأسماع يحض على التفكر والتدبر والإستعداد لذلك اليوم الآتي، ثم وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم { قُلْ } ذلك لقومك { يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } فبيّن أن واجب الإنسان أن يعمل ما يجب عليه ولا يلتفت إلى غيره، لأن الحساب على قدر العمل ومنه قول الشاعر: من يعمل الخير لا يُعدم جوازيه**لا يذهب العرف بين الله والناس فعاقبة الدار إنما تكون لمن يعمل الأعمال الصالحة والعقوبة لمن يعمل خلاف ذلك، ولماّ قرر هذه الحقيقة ناسب أن يذكر قوماً تظاهروا بالتقى وهم أبعد ما يكونون عنه، وعملوا السيئات ظانين أنها حسنات وشرعوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله { وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا } قسموا الارض بين الله وأصنامهم مع أن الله خالق الأرض وما فيها، والأصنام حجارة صنعها الإنسان فإذا أثمرت أرض الله ولم تثمر أرض الأصنام أخذوا من أرض الله وأعطوا الأصنام، وإذا أثمرت أرض الأصنام ولم تثمر أرض الله قالوا الله غني ولم يعطوه شيئاً، لذلك تراه يقول: { فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ } يذم فعلهم وحكمهم ورأيهم فهذا مثالٌ لمن يقول الباطل ويعمل به ويدعو إليه، مثالٌ آخر قتل الأولاد: البنات خوف العار والصبيان تقرباً للأصنام وأحيانا قتل الجميع خوف الفقر الحاصل أو المتوقع، كل ذلك ناشئ عن اتباع الهوى واضطراب التفكير وعدم وجود منهج واضح يعتمدون عليه في عبادتهم ومعاملاتهم، { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } قال مثل ذلك التزيين زيّن الشركاء لعابديهم قتل أولادهم ليوقعوهم في الردى والحزن على فقد الأولاد واضطراب التفكير وعدم وضوح الرؤية والوقوع في التعصّب، وإنما كان ذلك كله بإرادة الله القدرية الكونية، لم يأمر بمقاتلتهم ولا بمحاربتهم ولكن أمر بتركهم وشأنهم بعد إقامة الحجة عليهم وقطع العذر عنهم. ما أبشع أن يجعل الإنسان من نفسه مشرعاً لنفسه ومن هواه ديناً يتعبد به، انظر إلى افترائهم على الله عز وجل { وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ } أنعام وحرث أوقفوها لمصالح الفقراء في الظاهر دون مسوّغ شرعي، { وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا } يعني على الركوب، { وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ } سبحانه ما أحلمه على من عصاه { سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } جزاءً وفاقا، فريةٌ ثالثة { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء } يعني الرجال والنساء { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } تأكيد على ما سبق من قوله: { سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }، وذيّل الاية بقوله: { إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ }. إن من يبدل شرع الله بشرع يخترعه من نفسه يمليه عليه هواه وتتحكم به عواطفه، لإنسان خاسر لا محالة لأنه خارج من دائرة الإيمان مستخدمٌ نعم الله في الإعتداء عليه بتحريم ما أحل وتحليل ما حرّم، { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } جمعوا إلى الجهل السفه وضعف العقل من يجرؤ على قتل ولده الذي هو نعمة أنعم الله بها عليه اتباعاً للهوى أو خضوعاً للشيطان لإنسان ضعيف العقل ضعيف الحجة، كيف إذا أضاف إلى ذلك أمراً آخر أشار إليه بقوله: { وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ } الله يرزق فهو الذي يحل او يحرّم يعطي أو يمنع، لا يستطيع أحد أن يحل ما حرّم أو يحرّم ما أحل، فمن يفعل ذلك من قتل النفس بغير ذنب أو تحريم ما أحل الله فهو إنسانٌ ضعيف العقل جاهل بحاجة أن يُعلّم وأن يؤدّب، فمن ادعى أن الله أمره بذلك فقد افترى على الله، لذلك قال: { وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ } أعاد لفظ الجلالة مرتين ليوقع في نفس المخاطب المهابة، ويجعله يشعر بعظمة الله وبعد اولئك القوم عن منهجه المعبّر عنه بقوله: { قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }. ثم ذكر عملاً من عمل الجاهلية لا في معرض ذمّه، ولكن قّدم له بنعمة أنعمها الله على خلقه، وإن شِئت قلت نعمتان: نعمة إيجاد المواد النباتية من طعام وحلوى وفاكهة أشار إليها بقوله: { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } قلت إن العنب لا يقوم بنفسه فإذا لم يوضع له ما يستند إليه يبقى على الأرض، وفي هذه الحالة وفي تلك لا يتأثر ثمره فبعض العنب له عروش يستند إليها يرتفع إلى السماء والآخر على الأرض، ثم ذكر { وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } والنخل هو شجر له ساق طويل بعيد عن الأرض، والزرع الذي يبقى قريباً من الأرض كالبقول والبطيخ والقثّاء وما في معناه، مختلفاً أكُله أي له طعمٌ مختلف، { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } تأمل معي شجرتا الزيتون والرمّان تجد أنهما كلهما عظيمة الجسم مبسوطة القامة لكنّ ثمر الزيتون حبة حبة والأخضر منه لا يؤكل إلا بعد معالجته، والأسود بحاجة إلى معالجة أقل، أما الرمّان فحباته تشبه حب الزيتون وتخالفها فبذره يؤكل معه لكنّ حباته تجتمع في كوزٍ يحوي عدداً كبيراً منها مصفوفة بشكل مرتّب أنيق موضوع عليها غطاء مختلف مغلفةٌ بما يحميها من أن تتأثر حباتها بالصدمات، لذلك قال { مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } فسبحان الخلّاق العظيم، ولا يُدرك ذلك إلاّ بالنظر إليه وتذوقه وذلك لا يكون إلا بإذن المالك، من هنا أذن بالأكل فقال: { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } لتدركوا عظمة الله وحكمته وقدرته، ثم أمرهم بشكر هذه النعمة فقال: { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } أمر بإعطاء جزءٍ منه للفقراء جبراً لخاطرهم ورفقاً بهم يوم الحصاد، ولا يبدو من الاية أنه أمرٌ بأداء الزكاة لأنه لم يذكر فيها ما يجب فيه الزكاة، لكن يومئ إلى وجوب أداء الزكاة المفهوم من السياق { وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } نهى عن المبالغة في العطاء ونظير هذا قوله في سورة الإسراء: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } فنهى عن الإسراف وهو تجاوز الحد، وفي ضمن ذلك دعوة إلى الإعتدال والتوسط في الأمور كلها، وسبق أن قال: { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } فالإسراف شبيه التبذير كلاهما يفسد المال ويذهبه، والمال قوام الحياة وبمقدار ما تكون الدولة غنيّة تكون مرهوبة الجانب محترمة، ورعاية نعم الله توجب المحافظة عليه وحفظها ليحفظها الله. أما النعمة الثانية فنعمة وجود الحيوان الذي يؤكل لحمه والذي جعل منه الجاهليون موضوعاً للمناقشة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أجمله وهو يدخل على الموضوع برفقٍ { وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } الحمولة كالجمال والبقر وفرشاً كالخراف والماعز والشياه، الفرش القريب من الأرض أو لأن صوفه يصنع فراشاً، والحمولة الكبير الجسم كالبدنة والبقرة وذكورها، { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ }إذنٌ بالأكل منها مطلقٌ في الزمان والمكان، ولما كانوا قد غيروا شرع الله بأهوائهم واتبعوا خطوات الشيطان حذّرهم من السير وراءه والإقتداء به { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } فعداوة الشيطان ظاهرة بيّنة لا تخفى على من أعمل عقله واتبع المنهج الذي جاء به الرسل، ولهذه الاية نظائر، وإنما قال ذلك توطأةً لمناقشتهم فيما ابتدعوه بأهوائهم دون دليل من الله ولا حجة من العقل أو النقل، واستخدم القرآن في هذا ما يسميه أهل الأصول السبر والتقسيم جمع العلل وكرّ عليها فأبطلها، وأثبت الحق الذي لا شبهة فيه، { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } حرّم العرب بعض الذكور على بعض الناس وأباحوا بعضها وحرّموا بعض الإناث وأباحوا بعضها وادعوا أن ذلك تشريع من الله فاستخدم القرآن في إبطال دعواهم أرقى أنواع الأدلة في المنطق، إذا نظرنا إلى المحرمات وجدنا بعضها ذكوراً وبعضها إناثاً فما علة تحريم ما حرّموا وتحليل ما أحلوا، { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } تابع الترتيب الذي ذكره قبل لكنه جعله مشوشاً فبدأ بالحديث عن الفرش قبل الحمولة فذكر زوجاً من الضأن وزوجاً من المعز، ما العلة في تحريم ذلك؟ أهي الذكورة فيقتضى تحريم كل ذكر! أم الأنوثة فيقتضي تحريم كل أنثى! أم خروجه من رحم فيقتضي تحريم الذكر والأنثى جميعا، والعلة تدور مع الحكم وجوداً وعدما لكن هنا لم تتطرد، لذلك طالبهم بالدليل الذي يثبت صدقهم على فرض أن التحريم لعلة معقولة المعنى فقال: { قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } فطلب الدليل، وكل كلام لا دليل عليه لا يعتد به ولا يلتفت إليه، فإذا لم يكن علةً كان الحكم تعبدياً، والتعبد يثبت بالوحي لذلك ترقّى بهم إلى المرتبة الثانية فقال: { وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ } لما لم تثبت علة التحريم على افتراض أنها معقولة المعنى إنتقل إلى علةٍ أخرى ما داموا قد نسبوا التحليل والتحريم إلى الله فيكون الأمر تعبداً والتعبد يثبت بالنقل من أين نقلوا؟! ما أجمل القرآن حين يصدح بالحقيقة ويواجه الخصم بما يكره { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا } "أم" هذه تفك إلى همزة الإستفهام وبل كأنه قال: بل أضرب عن القضية الأولى إلى القضية الثانية "أكنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذ"ا؟؟ وطبيعي أن الله لم يوصهم بشيء ولا شهدوا وصايته لذلك رد عليهم أبلغ رد واتهمهم بالكذب دون أن يصرحّ وعرّض بهم أنهم ارتكبوا أبشع أنواع الظلم فقال: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } فالإستفهام هنا للتقرير لا أحد أشدُ ظلما ممن تجرأ على الله فافترى عليه بالكذب، فعل ذلك ليضل الناس بجهله وتجهيلهم فاستحق أن يخذله الله في الدنيا والاخرة { إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }، فاللهم ثبتنا على الحق ووفقنا لسلوك طريقه واعصمنا من الزلل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة