الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

رمضان شهر العمل المنتج 


مضى على النبي – صلى الله عليه وسلم – سنوات قبل أن يأتيه الوحي يفكر كيف ينقذ قومه من جاهليتهم التي تجلت بأبشع صورة في اختلافهم: من يضع الحجر الأسود في مكانه، وكاد القوم أن يتقاتلوا ثم تحاكموا إلى الأمين راضين بحكمه، ولو أنهم عقلوا لرضوا أن يحمله واحد منهم، وينتهي الأمر، لكن لا، وكان أن حمل النبي الحجر ووضعه على قطعة قماش، وطلب من الزعماء أن يأخذ كل واحد منهم بطرف الثوب ونقلوه إلى قرب الكعبة، وحمله – صلى الله عليه وسلم – بيده ووضعه في مكانه، وثبته بالطين، ما أبشع أن يتقاتل الناس من أجل شيء تافه، إنها الأنانية والمراءاة، كأن الناس قد عميت بصيرتهم وتفرقت كلمتهم، فراحوا يتعادون لأتفه الأسباب، دعا ذلك النبي أن يختلي بنفسه: يعبد الله، ويفكر في قومه: ما السبيل إلى إعادة الألفة والمحبة إليهم، وإبعاد الفرقة والاختلاف عنهم، وحقق الله له رغبته في رمضان، فأنزل الله عليه: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ● خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ● عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ، ما أكثر ما في هذه الآيات من دعوة إلى العمل: في الآيات أمر بالقراءة مرتين، والقراءة عمل أو وسيلة إليه، وذكرت الرب والرب من التربية وتقديم ما يصلح الإنسان، والخلق عمل، والتعليم عمل، وكأني بالقرآن يدعو الناس إلى العمل: في جميع الأوقات ومختلف الأحوال.

    فهم الصحابة ذلك فهماً جيداً، فكانت حياتهم حافلة بالعمل المفيد: في الليل عبادة وتفكر في ما يصلح حال الناس، وفي النهار عمل منتج بناء، يجتهدون في ما يصلح القلوب ويطهرها من الكبر والعجب والجهل والحسد، يبنون المجتمع الفاضل المتحاب المتناصح المتناصر، لكن أهل الباطل لا يرضون عن الحق ويحاربون أولياءه، ما ألجأ المسلمين إلى الهجرة من البلد الحرام إلى حيث يأمنون على دينهم وأنفسهم، تاركين خلفهم أموالهم المنقولة وغير المنقولة، واستولى الظلمة على أموال المهجرين، وبدؤوا يثمرونها لمصلحتهم، وكانت أهم وسيلة لتنمية المال هي التجارة.

    علم المسلمون من خلال سهرهم على أمن الناس أن أموال المهاجرين المثمرة في قافلة قادمة من الشام، يقودها أبو سفيان، وكان المسلمون في المدينة يعانون من ضائقة اقتصادية، وأموالهم المغصوبة يتمتع بها الظالمون.

    انتدب النبي أصحابه المهاجرين لاستنقاذ أموالهم التي تسلط عليها المشركون، ويتاجرون بها لتكثر أموالهم، فأجابه ثلاثمائة وبضع عشر رجلاً، وفكر أبو سفيان في احتمال محاولة المسلمين إنقاذ أموالهم، فأرسل إلى قريش يطلب مساعدتها لإنقاذ القافلة من المسلمين، وغيَّر الطريق إذ كان بصيراً بالسبل، واستطاع إنقاذ القافلة، وأرسل إلى قريش يخبرها بنجاة القافلة، ويطلب إليهم أن يرجعوا إلى مكة راشدين، فرد أبو جهل أنه يرفض الرجوع قبل أن يصل بجنده إلى بدر فيقيم عندها ثلاثة أيام، يأكلون ويشربون ويطربون، فتسمع بهم العرب، فلا تزال تهابهم أبد الدهر.

    علم المسلمون بنجاة القافلة وبخروج قريش إلى بدر، فاستشار النبي أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ومازال النبي يقول: أيها الناس أشيروا علي، إلى أن قال سيد الأنصار مقالاً أرضى النبي، فتوقف عن طلب المشورة لأن الهدف منها تحقق.

    وبدأ بعد ذلك يرتب الجيش: يحدد المواقع، ونزل على رأي أحد أصحابه في تحديد المكان الذي يقف فيه المقاتلون ورتب صفوفهم، وخرج النبي وأبو بكر يستطلع أخبار المشركين، يتعرف إلى أعدادهم وأسلحتهم وأحوالهم، وأراد النبي من مشاركة الناس في المشورة أن يرفع روح جنده المعنوية حين يسمعون كلام الكبار، فينشطون لملاقاة العدو ومصابرته وتعلو همتهم.

    في رمضان كان الخروج، وفيه كان الجهاد لإقامة العدل، ومنع الظلم، كان المسلمون ثلث عدوهم، لم يكن لديهم إلا فرس، كانت همتهم عالية، ومعنوياتهم مرتفعة، لأنهم طالبو حق، أرادوا دفع الظلم عن أنفسهم، واسترجاع ما سلبهم الأعداء، وتأديبهم عما جنت أيديهم من إساءة للمسلمين، في مكة قبل الهجرة، وردع الظلمة عن ظلمهم. قال عز وجل: ( وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ  لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ )

    وقال: ( لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ● لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) ، نفهم من الآيات أن الجهاد شرع لدفع الظلم وإقامة العدل، والاستعداد له إنما كان لإرهاب الأعداء وإخافتهم، فيمتنعون عن الإساءة إلى الناس، فيحفظون أنفسهم وإخوانهم، ويعيش المجتمع في الأمن والأمان.

    إن سيف المجاهد كآلة الطبيب، يزيل المرض من المجتمع، ويستأصل الفاسد من أعضائه، فيسود العدل ويمحي الظلم.

     شرع الله الجهاد بعد خمس عشرة سنة من المعاناة تحمل فيها المسلون أنواعاً من الأذى تنوء بحملها الجبال، وهم صابرون محتسبون يدفعون بالتي هي أحسن السيئة، فيشتد عليهم الأذى، تصادر أموالهم، وتنتهك حريتهم وحين هاجروا إلى المدينة لم ينجحوا من كيدهم ومكرهم.

     كانت معركة بدر في 17 رمضان 02 هـ مناسبة لتأديب أهل مكة، وردعهم عن باطلهم، وكف شرهم عن الناس، لأنهم خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس مغترين بقوتهم يحاربون أولياء الله محاولين صرفهم عن الحق، والتسلط عليهم، فنصر الله أولياءه وخذل أعداءه، فقتل منهم سبعون هم رؤوس الظلم، وأسر سبعون فيهم العباس عم النبي وابني أخيه، وفيهم زوج ابنة رسول الله زينب رضي الله عنها، ولما شاور أصحابه في أمر الأسرى وقرر قبول الفداء منهم، قال لعمه العباس بن عبد المطلب: افدِ نفسك وابني أخيك، ولما ادعى العباس أنه فقير لا مال له، فسأله عن المال الذي دفعه إلى زوجه أم الفضل، عندها علم العباس أن ابن أخيه محمد نبي يوحى إليه، لأنه لا يعلم بالمال إلا الله والعباس وزوجه، وبعثت زينب بفداء زوجها أبي العاص فيه قلادة كانت خديجة أم المؤمنين أهدتها زينب، فلما رأى النبي القلادة رق لها وتذكر ابنته وأمها، فقال: إن أردتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها فعلتم، وطلب من أبي العاص أن يرسل إليه بزينب، فوفى له، وبقيت زينب عند أبيها إلى أن أسلم زوجها فردها النبي عليه.

    في بدر تجلى العدل المطلق، فالمسلمون لا يقاتلون إلا المقاتلين الذين يقصدونهم بالقتل، لا يقاتلون صبياً ولا امرأة، والقتال وجهاً لوجه: لا يلقون القذائف على الآمنين، لا يخربون البلاد، ولا يلوثون الطبيعة، حربهم ذات هدف نبيل وغاية سامية.

    في بدر ظهرت صورة الحاكم العادل الذي يشارك الرعية ويشاور جنده – مع عدم حاجته إليها لأن الوحي يصوب مسيرته ويسددها – ليربيهم على التواضع، ويمكن فيهم الثقة بالنفس، ويدربهم على البحث والنظر، ليكونوا أمة عاقلة عاملة، ويتجلى فيها المساواة بأجلى صورة وأجملها، فالفداء يؤخذ من أقرب الناس إلى النبي: عمه وأبناء عمه وزوج ابنته، ويترك النبي إلى الناس أمر إطلاق أبي العاص، ورد القلادة إلى زينب زوجه.

    كل ذلك كان في رمضان ليعلم الناس أن الصوم لا يؤثر على حركة الحياة، بل يبقى العمل المنتج شعار المسلم في كل وقت وعلى كل حال، يردد ( وَقُلِ اعْمَلُوا) ويعمل.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة