الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

شريعةٌ سمحة  
سورة الأعراف   الآيات 189 - 206


الفقير الضعيف دائماً يسعى إلى تحصيل مصلحته، وقد يظهر الإنسان الفقر فإذا وصل إلى ما يريد تغير حاله، على حد قولهم: "تمسكن ليتمكن، فلما تمكن تمرد"، وهذه قصة غير مشخّصة، يعني أنها يمكن أن تتكرر، ورأى بعض أهل العلم أنها قصة آدم عليه السلام، لكني أميل إلى أنها مثلٌ ضربه الله للإنسان الضعيف إذا قوي واشتد عوده، تغير حاله وسيأتي لها نظير في سورة هود إن شاء الله، قال عز وجل:(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أصل الخلق من آدم عليه السلام، ومن آدم خلق الله له زوجاً، وليس بالضروري أن يكون الذي تغشّاها آدم، فلربما حصل في الآية إلتفاتٌ من حال إلى حال، أو بيان بحال الإنسان إذا ضعف واحتاج إلى الله، أقبل عليه وإذا قوي نسيه، وهذه المرأة حملت حملاً خفيفاً كانت مرتاحةً فيه، لم تدعو الله فكانت منشغلة بحملها، فلما ثقل عليها الحمل وتعسرت أمورها التجأت إلى الله هي وزوجها طالبين ولداً صالحاً يعبد الله ويحمل اسم أبيه، لكن ما إن آتاه الله الولد وعافى زوجه من آلام الوضع حتى أشركا بالله.
إنها قصةٌ تشبه إلى حدٍ كبير قصة الناس الذين يتعرضون للعواصف في البحر يدعون الله أن يفرج عنهم هول تلك الأعاصير، فإذا رجعوا إلى اليابسة نسوا الله وجعلوا له شركاء، وهذا ما دعاني إلى القول إلى أنها مثلٌ وليست قصة رجل وامرأة معينين، (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ*أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ*وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) حقق الله طلبهما فنسياه وتركا طاعته، بل أكثر من ذلك، جعلا له شركاء فيما آتاهما، ما أقل وفاء بعض الناس إذا جاءته النعمة من غير الله عظمها وعظم المنعم واقبل عليه بكليته، وإذا جاءت من الله كأنها ضربة لازب، لا يعبأ بها ولا يشكرها، لذلك نزّه القرآن الله عن الشرك وان يكون له شريك في ذاته أو صفاته أو أفعاله، لأنه لم يشارك الله أحدٌ في الخلق لا الحجارة التي عبدها الإنسان ولا المسيح ولا العزير ولا الكوكب، فمن الغباء أن يشرك من يخلق شيئاً بالمخلوق الفقير العاجز الضعيف، الله ينصر من يستنصره من عبيده، وأما من زعموهم شركاء لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً لا في أمور الدنيا ولا في أمور الأخرى، هم أعجز من أن ينصروا أنفسهم فضلاً عن أن ينصروا غيرهم، ثم التفت القرآن إلى عبدة الأصنام يقارعهم الحجة ويبين لهم أقصى ما يمكن أن يصل إليه الصنم، يمكن أن يكون مخلوقاً، واسمعه كيف يستخدم العقل ليبين بالدليل أن الصنم لا يتكلم ولا يسمع فكيف يدفع وينفع، (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ) إن الأصنام لا تعقل، فإذا دعوتها إلى الهدى لا تفهم كلامك ولا تتبع دعوتك، فالأمر سواء إن دعوتهم أو لم تدعوهم وبقيت صامتاً لا يتغير شيء، كان العرب يصورون أصنامهم على صورة الناس، إذاً أقصى ما يصل إليه الصنم يصل إلى درجة الناس، والناس أعجز من أن ينفعوا من عبدهم او يضروهم، (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ*أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ) إن أقصى ما يمدح به الصنم أن يشابه الإنسان، ولكنه لا يصل إلى هذه الدرجة، لأن الله تحداهم وبين بالدليل الحسي أن الأصنام أعجز من أن تدفع عن عابديها أو تنفعهم، دعاهم أولا أن يدعوهم وليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين، وبين في سورة الرعد مثل الذي يعبد الأصنام كمثل الذي يبسط يديه في الماء ليشرب، هل يصل الماء إلى فمه!!، إن كان هؤلاء آلهة فليقضوا حاجاتكم وليحققوا رغباتكم ولكن هيهات، وساق الدليل (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا) في قضاء حاجات الناس والسعي في دفع الضر عنهم أو جلب النفع لهم، (أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا) أعداء عابديهم والمسيئين إليهم، (أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا) ما ينفعهم وما يضرهم، ما فيه مصلحة أو مفسدة فيقبلوا على الأول ويعرضوا عن الثاني، (أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) فيجيبوا دعاء الداعي ويحققوا رغباته، ومعلومٌ أنهم لا يفعلون شيئاً من ذلك، لذلك وقف في وجههم وتحداهم معتمداً على الله واثقاً به أن يبرزوا إليه ويحاولوا كيده مسرعين دون أن يعطوه فرصة ليستعد، وكان بهذا مثله كمثل داود عليهما الصلاة والسلام، وبين لهم على من يعتمد ومن ناصره في كل حال (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) وليه المعطي المانع، يعز من يعتز به ويخزي من اعتز بغيره، وبين الصفة التي من أجلها والى الله وأقبل عليه لأنه نزّل الكتاب أي الوحي المتلو، ولأنه يتولى الصالحين، ولأن قدرته مطلقة وحكمه نافذ وأمره ماضٍ (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ*وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) تركوا الله القوي الغني وأقبلوا على حجارة يعبدونها، فهي ثابتة في مكانها عاجزةٌ عن الحركة لا تستطيع الدفاع عن نفسها فضلاً عن أن تدافع عن عابديها، لا تسمع دعاءه ولا تتكلم حتى تأمرهم وتنهاهم، وإذا نظرت إليها رأيتها تنظر إليك وفي الحقيقة لا تبصر، ومع ذلك ترى القوم يعبدونها معطلين عقولهم متبعين أهواءهم في كثرة كاثرة، ماذا نفعل؟ أنقاتلهم أم نسالمهم؟ وإذا سالمناهم أننافقهم؟، يأتيك الجواب (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ثلاث كلمات جمعت الأخلاق الفاضلة كلها، لم تترك منها شيئاً، جعلت المؤمن يعامل الناس بيسر وسهولة على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن من أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويُؤلفون"، فالمؤمن يقبل الناس كما هم ويتعايش معهم دون أن يغير من طبعهم وعادتهم، ينكر عليهم تصرفهم الخاطئ لكنه لا يتسلط عليهم ولا يقهرهم على تصرف معين كمثل بعض السياسيين في هذه الأيام، إن الناس إذا تعارفوا على شيءٍ لم يكن معارضاً للشريعة أو معارضاً منها، جاز اتباعه لأن في رفضه خروج للناس عن المألوف وإثارة لهم، وقالوا في القواعد "العادة محكّمة" يعني ما لم تخالف الشرع أو تعارضه، وقالوا "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً" فالأمر بالعرف يريح المجتمع ويمهّد لتغيير العادات السيئة بالتدريج والرفق وهدوء الأعصاب، (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) أدبٌ سامٍ يجعل الإنسان يترفع عن سفاسف الأمور وقضاياها الجانبية، فلا ينجر إلى معارك وهمية معتقداً أنها أساسيات، ونظيره (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) وكذلك (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) يقول الشافعي:"ما جادلت عالماً إلا غلبته، ولا جاهلاً إلا غلبني" لأنه حين يعجز عن الحجة ينتقل إلى الكلام البذيء، فهذه الآية من جوامع الكلم، ومهما يكن فالإنسان إنسان وللشيطان منافذ فيه، لذلك حرص القرآن على توجيه الإنسان فقال:(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الشيطان يوسوس للإنسان يغذي هواه ويحرك كوامن نفسه ويدفعه إلى الشر دفعاً، فإذا أحس بأمرٍ ربما أدى به إلى مشكلٍ فليستعذ بالله وليتجنب ذلك، ونزغ الشيطان وسوسةٌ وتزيينه الباطل، ثم بين حال المؤمنين مع الشيطان وإزاء تزيينه فقال:(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ*وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) يعيش المؤمن بالمرصاد بكيد الشيطان، لأن الشيطان يتربص به فيستعين عليه بطاعة الله، ومعنى (اتَّقَواْ) أي تجنبوا وسوسة الشيطان وحذروا منها، وحاولوا عدم اتباع الظن، فإن وسوس لهم تذكروا الله ووجوب طاعته وتقواه، (فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) و"إذا" هذه الفجائية، فبعد أن كان واقعاً تحت تأثير الشيطان يوشك أن يطيعه، تذكر الله والمنهج الذي جاء به رسول الله فعرف أن عمله مخالفٌ وأقلع عنه، وفي المجتمع أناس يحاولون نشر الفساد فيه واستعداء الناس بعضهم على بعض وتزيين الباطل فيمدون إخوانهم في الغي، والغي ضد الرشد، ولا يتوقفون عن ذلك لأن الصراع بين الحق والباطل باقٍ إلى يوم القيامة، يطلبون الآيات مع أنه قدّم لهم منها ما يكفي، ومع ذلك كلما رأوا معجزةً من معجزات الرسول تمنوا معجزة أخرى، فأمره أن يرد عليهم فقال:(وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فأخبرهم أنه رسول الله يبلغ عن الله ما يأمره الله بتبليغه ليس بيده شيء من أمور الدنيا ولا الآخرة، وأخبرهم بالحقيقة التي لا شك فيها أن في القرآن ما ينير البصر والبصيرة ويصوّب المسار ويصلح المسير ويقوّم السلوك ويجمع الناس على طريق واحد، والمنتفع بهذا كله المؤمنون لأن شرط قبول الأعمال الإيمان، فلا ثواب بدون إيمان، ولما كان القرآن كتاب هدايةٍ وإعجاز، وكانت قراءته تستدعي التفرغ وخلو القلب عن الملهيات والمنغصات قال لهم:(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) و"لعل" فيها معنى الترجي ومعنى التعليل، فأنصتوا لقراءة القرآن لترحموا، وتفكروا فيما تسمعون وتقرؤون وأنتم ترجون أن يرحمكم الله وينير بصيرتكم وبصركم، ثم وجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي ضمن ذلك تعليم للأمة ذكر الله عز وجل فقال:(وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ* إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) ما كان من الذكر في القلب وفي الستر فهو أولى بالقبول لأنه أبعد عن الرياء، وإذا جمع الذكر بين الخوف والتضرع كان خيراً ورحمةً على الذاكر، وأكد على أن يكون الذكر في القلب بقوله:(وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) اول النهار وآخره وحتماً بينهما، وأكد على وجوب ملازمة ذلك بالنهي عن الغفلة، واتجه إلى الدعوة بالقدوة عن طريق التشبه بالملائكة الكرام الخاضعين لله عز وجل الملتزمين عبادته، يسبحونه وله وحده خاضعين، فلنكن كلنا كذلك لله وحده خاضعين لا لدنيا ولا لجاه ولا لسلطان، نعتز بالله نعتمد عليه ونلتجيء إليه، فاللهم وفقنا لنكون كما يجب أن نكون جنبنا الزلل وأعنا على العمل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة