الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين المهتدي والضال  
سورة الأعراف   الآيات 172 - 188


قصة من عالم الذر يذكرها القرآن، فيها عبرةٌ وعظةٌ وفي ذكرها حجة على الخلق إلى يوم القيامة، استفتح بها البيان فقال: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ*أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) يروى أن الله أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة ويقال إن ذلك كان في وادي نعمان بين مكة والطائف، والقرآن لم يذكر المكان ولا الزمان واكتفى بذكر القصة لما فيها من دليل، الظرف متعلقٌ بمحذوف تقديره "اذكر الوقت الذي أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم" وهذا ما يسمى عالم الذر، وفيه متمسكٌ لمن يرى أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد وأن أول الأرواح خلقاً روح محمد صلى الله عليه وسلم، والإستفهام في قوله (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) إستفهام تقريري، ولما كان الإستفهام فيه النفي جاء الجواب ب(بلى) فشهدوا على أنفسهم أنهم مخلوقون وأن الله هو الذي خلقهم ورباهم بالنعم، شهدوا شهادةً يؤكدها واقع الحال، وهنا ينشأ في النفس سؤال، لماذا يقص علينا هذه القصة وقد كانت في زمانٍ لم نكن فيه أهلاً للتكليف، ولربما لا نذكر منها شيئاً، والجواب أن من قال بلى في عالم الذر أجاب الرسل وآمن بما دعوا إليه، وإنما قص الله هذه القصة ليذكرنا بالعهد الأول ويقيم علينا الحجة حتى لا نقول يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) فيقال قد أرسل الله الرسل فذكروكم وبلغوكم، أو تحملوا المسؤولية آباءكم لأنهم ابتدعوا الشرك وأنتم قلدتموهم وسرتم سيرهم، وتتهموا أسلافكم بأنهم مبطلون، والحق أنهم مبطلون لأنهم تركوا الله وعبدوا الأصنام، لكن الله ركب فيكم معشر بني آدم الآلات التي تمكنكم من معرفة الحق والإقبال عليه ومعرفة الباطل والإعراض عنه، ركب فيكم العقل يعقل تصرفاتكم فيرشّدها ويقومها ويحكمها، وجعل للمعلومات طريقاً السمع والبصر، فإذا استعملتم سمعكم وبصركم وتفكرتم فيما تسمعون وتبصرون تصلون إلى الحق، ففي الكون علامات تدل على أن الله واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في أفعاله، وأنه لا بد من الحساب لأن الخاطئ قد يموت قبل أن يعاقب، فلا بد من يوم يحاسب فيه الجميع ويجزى كل بعمله، وقد تولى الرسل إبلاغ الناس كل ذلك، وتولى القرآن الكريم خاتمة الكتب السماوية تفصيل مسائل هذا العلم، وصدق الله (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) "لعل" حرف تعليل في حقه تعالى، وحرف ترجٍ في حق المخاطبين، وإنما قال (لعل) ولم يقل "ليرجعوا" لأنه ضمّن الآيات معنيين: الأول أن الله يفصل الآيات ويوضحها ليقيم الحجة ويقطع العذر ويسهل الطريق إلى قبول الحق، والمعنى الثاني كأنه قال لهم تدبروا هذه الآيات وتفكروا فيها وأنتم ترجون أن يكون في ذلك عوناً لكم على العودة إلى الجادة، والتزام المنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولما ذكر ترجي المخاطبين وتعليل تفصيل الآيات، ناسب أن يذكر قصة من لم يرفع بالدين رأساً واعتز بالباطل ونصره فقال: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) هذه قصة لم يشخصها القرآن، فمن الجائز أنها سجلت خبر إنسان معين مر في الزمان الغابر، وجائز أن تكون مثلاً ضربه الله لمن يتنكر للحق ويعرض عنه، ففيها دعوة إلى نصرة الحق والدفاع عنه عن طريق القصة، لأنها سبيل القدوة، فمن يرى بشاعة هذه الصورة يكره مخالفة الحق ويقبل عليه ينصره وينشره ويدافع عنه، وجّه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقص عليهم قصة رجلٍ أكرمه الله بوحيه المتلو أو غير المتلو أو بهما، فهم الدين فهماً تاماً عاماً لكنه لم يُتبع الفهم بالعمل، لاجرم قال: (فَانسَلَخَ مِنْهَا) والإنسلاخ هو الخروج من الجلد كأن العلم والدين لباسٌ ألبسه الله إياه فتجرد منه، ما أجمل القرآن حين نتذوقه ونغوص في معانيه، ولما كان الحق والباطل نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ما إن خرج من الدين حتى أتبعه الشيطان، تربص به إلتزاماً منه بما هدد به بني آدم من التربص بهم والسعي لإضلالهم، فلما أحكم الشيطان قبضته عليه صار من الغاوين، والغاوون هم الذين تركوا الحق وأقبلوا على الباطل، عطلوا عقولهم وأعموا أعينهم وأصموا آذانهم عن سماع داعيه، وكان ذلك بإذن الله لأنه من المقرر في علم التوحيد أن الله يأمر ويريد ويأمر ولا يريد ويريد ولا يأمر، فهذا مما أراده الله ولم يأمر به، ولو أراد الله إكرامه بالطاعة وتوفيقه إليها لأعزه، ولكن علم الله أنه إنسان مادي متمسك بالأرض متبع هواه، واتباع الهوى يناقض الشرع، لذلك ضرب الله له مثلاً لو تفكرت فيه لما فكرت يوماً في معصية الله ومخالفة أمره، صورةٌ تقزز، قال فمثله كمثل الكلب، وللكلب صفاة حميدة كالوفاء والأمانة، ولكنه لم ينظر إلى هذه الصفات، واختار صفة كريهة وهي صورة الكلب يلهث، واللهث صوت يظهره الكلب فاتحاً فمه، وربما يخرج لسانه ويستمر على ذلك إن كان سعيداً أو شقياً، آمناً أو خائفاً، جائعاً أو شبعاً، طاردته أو رحبت به، طريقة بشعة تناسب الخطأ الذي وقع فيه هذا الإنسان وتبين حقيقته أوضح بيان، ثم انتقل من المثل إلى الواقع فبين أن هذا المثل ينطبق على الناس الذين كذبوا بآيات الله، وإنما أورد هذه القصة لعل الناس يعتبرون بها كما اعتبروا في التي قبلها، والتفكر في قصص القرآن يورث الفهم، والفهم يورث العمل، ثم أصدر الحكم المبرم بذم القوم الذين كذبوا بآيات الله وظلموا أنفسهم ولم يظلموا أحداً غيرها لأن عاقبة هذا العمل عائدة عليهم بالخسران والعقوبة (سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ) إن الإنسان بحاجة إلى توفيق الله، فمن تخلى الله عنه خاب وخسر، ومن وفقه فأنار بصيرته وطهر سريرته وعلانيته فهو من الفائزين، أشار إلى الشطر الأول بقوله: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) والمهتدي هو الكامل في الهداية نظيف اللسان يحب الناس ويحبونه، يتعاونون معاً في عمارة الأرض وإصلاح المجتمع، والجملة الشرطية التي جمع فيها بين الفعل المضارع الذي يدل على الحدوث والتجدد، والجملة الإسمية فيها دليل على أن الإنسان إذا حرم توفيق الله تحوّل إلى مخلوقٍ مؤذٍ لنفسه ولغيره، ذلك لأن قلبه لا يفقه وعينه لا تبصر وأذنه لا تسمع، فهو كبهيمة الأنعام بل أضل منها لأن بهيمة الأنعام إذا أكلت شيئاً أزعجها أو أضرها لم تعد لتأكله مرةً ثانية، وإنما يحصل له ذلك كله بغفلته عن الله وما يأمر به وينهى عنه، (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). ولما ذكر الأشرار أتبعهم بذكر الأخيار على طريقة رد العجز على الصدر، فكأنه بين للمهتدي الطريقة التي يدعو الله بها ليكون مجاب الدعوة صالح العمل فقال: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) نبه بالقسيم على القسيم، فله الأسماء الحسنى والصفات العليا، ورتب على ذلك بالفاء الفصيحة فأمر أن ندعوه بها، من المستحب أن يذكر الداعي في دعائه إسماً من أسماء الله الحسنى يتوسل به إلى الله، وأمرنا أن نترك الذين يلحدون في أسمائه، أي يميلون بها عن الجادة ويصرفونها عن معناها إلى معانٍ غير مرادة، كتحريفهم لفظ الجلالة إلى "اللات" على أحد التأويلات والعزيز إلى "العزى"، والعجيب أن معظم آلهتهم إناثٌ، ما خلا "هبل"، وأوعدهم الله أنه سيجازيهم على عملهم الباطل بجملة فعلية فيها فعلين، والجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد، فكأنه أخبر بأنه سيجزيهم على أعمالهم التي كانوا يعملونها في الماضي والحاضر والمستقبل، على أن الناس ليسوا كلهم أشراراً، بل فيهم الأخيار المؤمنون وفيهم الأشرار الذين يتركهم الله ليعاقبهم في الوقت المناسب، (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ*وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) الذين يهدون بالحق يعملون الصالحات ويرشدون الناس إليها، ويطبقونها على أنفسهم وعلى أهليهم وفي مجتمعهم، لأن شرع الله يحقق العدل المطلق فلا يحابي قريباً لقربه ولا صديقاً لصداقته ولكن يسوق الناس بنظام واحد، فلا حصانة لأحد عنده، هذا هو القسم الأول، أما القسم الثاني فهم الذين يكذبون بآيات الله، أخبر أنه سيستدرجهم أي لا يعاجلهم بالعقوبة، بل يمد لهم بالحياة على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت"، وهؤلاء يعصون الله فلا يعاجلهم بالعقوبة، فربما اعتقدوا أن الله راضٍ عنهم فغفلوا عنه، ويتركهم ليستمروا في ضلالهم فإذا أخذهم كان أخذه شديداً أليما، كل ذلك بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان قمةً في الأخلاق، لذلك دعاهم إلى التفكر في شخصيته وصدقه وأنه بريءٌ مما حاول المشركون إتهامه به من الجنون ونحوه فقال: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) هو أعقل الناس على خلق عظيم، يخوف الناس عذاب الله ليردهم عن غيهم، يقوّم ما اعوج من سلوكهم، يصوب ما انحرف من مسارهم، ينظم العلاقات بينهم على أساس أنهم مخلوقون لإله واحد، خاضعون لشرع واحد، متبعون منهجاً واحداً، ودعاهم إلى النظر والإعتبار قبل أن ينتقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحذر منه فقال: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) الاصل في الهمزة أن تدخل على الإسم أو الفعل، وههنا دخلت على الحرف في الصورة، لكن في الحقيقة هي داخلةٌ على محذوف هو المعطوف عليه، أكذبوا ولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض، والملكوت صيغة مبالغة من الملك وفيها معنى التعظيم، فالكون يدل على أن له رباً، وكذلك المخلوقات تدل على أن لها خالقاً، لأنه يستحيل عقلاً أن توجد من نفسها، والكون له بداية ويلزم من ذلك أن تكون له نهاية، ولكل مخلوق أجل محدد، وهؤلاء قد بلغوا أجلاً يوشك معه أن ينتهي عمرهم أو يقربون من ذلك، فليعملوا عقولهم فيما يرون ويسمعون، فليتدبروا القرآن ويفهموا ما فيه قبل فوات الأوان، فليتوسلوا إلى الله يطلبون هدايته، ويستعيذون من إضلاله، فإنه (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) ومعنى (يعمهون) أي يسيرون على غير هدى، والفرق بين العمى والعمه أن الأول عمى البصر والثاني عمى البصيرة، ومعنى الآية إن من تخلى الله عنه فلا من يهديه، بل يتركه الله لنفسه يسير في هذه الحياة على غير هدى يسبح في الضلالة، ثم ذكر مثالاً في السير في الضلال: استبعاد البعث بالسؤال عنه فقال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) أنكر المشركون البعث، واستبعدوا مجيئه، فسألوا عنه استبعاداً له، أي متى يكون وقتها، لم يجبهم وأوكل علمها إلى الله، وأخبر أن الله هو الذي يظهرها في وقتها لا أحد غيره، وأنها أمر عظيم له أثرٌ واضح في السماوات والأرض وأنها لا تأتي إلا فجأة، ثم التفت القرآن إلى النبي وقال له: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) اي مطلعاً عليها عليما بها، فقطع طمعهم في معرفة وقتها، وأسكتهم حين قال بأمره تعالى (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) فكأنه يلمح إلى أنه يعلم ولكن لم يؤذن له أن يبيّن وأن العلم بها ليس أمراً لازماً يجب أن يعلمه جميع الخلق، فليكفي أن يعلمه بعضهم ويمكن أن لا يعلمه أحد إلا الله الواحد الأحد، ثم أظهر تواضعه فقال: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وبيّن أن الله هو المتصرف الوحيد في هذا الكون، هو النافع الضار يفعل ما شاء ويحكم ما يريد، وان الغيب مطوي عن الخلق لا أحد يعلمه إلا الله، وأنه لو كان يعلم الغيب لطلب الكثرة من الخير، وحمى نفسه من السوء، إذاً هو رسول الله من البشر يحس بإحساسهم ولا يختلف عنهم إلا في أنه رسول الله يوحى إليه، لينذر العصاة عذاب الله رجاء أن يقلعوا عن عصيانهم ويبشر المؤمنين بالنعيم الدائم ليثبتوا على إيمانهم ويتحملوا المشاق في سبيل الله طاعة لله وطمعاً في رضاه ورغبةً فيما عنده وخوفاً من عذابه، فاللهم وفقنا لنسلك سبيل الرشاد وجنبنا سبيل المفسدين.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة