الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بنو إسرائيل بين ظلم النفس وظلم الآخرين  
سورة الأعراف   الآيات 160 - 171


كان ليعقوب إثنا عشر ولداً، وناسل هؤلاء الأولاد حتى كونوا إثنا عشر قبيلةً، إذا أردت أن تتعرف على حالهم فانظر إلى حالنا، كلهم أتباع نبي واحد وأبناؤه، ولكنهم لا يمشي بعضهم مع بعض ولا يأكل بعضهم مع بعض ولا يعاون بعضهم بعضاً، فإذا أرادوا أن يمروا مروا بإثني عشر طريقاً، وإذا أرادوا أن يشربوا طلبوا اثني عشر عيناً، لكنهم إذا رفضوا العمل اتفقوا على ذلك، فما أعجب هذا!!، قال عز وجل:(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) احتاجوا إلى الماء فطلبوا السقيا من موسى فأمره الله أن يضرب بعصاه الحجر.
"ال" للتعريف فيحتمل أن يكون حجراً معهوداً كان يحمله موسى معه أينما سار، أو مطلق حجر، ليس في الاية ما يدل على ترجيح معنى على معنى، ضرَب الحجر (فَانبَجَسَتْ) أي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فكان كل أولاد سبطٍ يشربون من واحدٍ، لا جرم قال الله هنا (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) أي مكان شربهم، وذكرت الآية تظليل الله لهم بالغمام وإنزاله المن والسلوى، لكن لم تذكر سببه اكتفاءًا منها بما ذكر في سورة المائدة حين دعاهم موسى إلى دخول الأرض المقدسة، فخافوا العماليق ورفضوا أن يقاتلوهم مع أن رجلين من العماليق شجعاهم وأخبراهم إن قاتلوا العماليق انتصروا عليهم، ومع ذلك رفضوا، فلما كان منهم ذلك جعلهم الله تائهين في الأرض أربعين سنة، ولما كانت الأرض التي تاهوا فيها صحراء شمسها حارقة لا نبات فيها ولا ماء، زودهم الله بالماء من الحجر وأغناهم عن النبات بطير السمّان، وزودهم بالمواد السكرية بواسطة المن، وهو نوع من الفطر حلو المذاق، وظللهم بالغمام يقيهم حر الشمس، بعد هذه النعم قال الله لهم:( كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) وبين أنه لم يظلمهم إذ جعلهم يتيهون في الأرض ولكن ظلموا أنفسهم لأنهم خالفوا أمر الله فعرضوا أنفسهم لغضبه، هذه نعمٌ أنعمها الله على بني إسرائيل فجحدوها وأعرضوا عن بارئهم وظلموا أنفسهم، وثانية في قوله:(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ*فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ) أمرهم الله أن يدخلوا قرية معينة لم يصرح القرآن باسمها، لكنه عرّفها وأمر بسكنها، وأباح لهم الأكل من ثمارها المختلفة، وأمرهم بأمرين: أولهما أن يدخلوا الباب سجدا متواضعين لله خاضعين له، وأن يقولوا حطة أي محطوطةٌ عنا خطايانا، ووعدهم إن فعلوا أن يغفر لهم خطيئاتهم، ووعد أن يزيد المحسنين إحسانا، ولم يرتب في هذه الاية بين الأفعال ورتبها في سورة البقرة على ما سبق، حين رتب الأكل على الدخول، ودخولهم سجدا رتب عليه قولهم حطّةٌ، وإذا كانت الواو لا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، فمفهوم الآية يدل على أنهم مؤمورون بجميع هذه الأوامر: سكنى القرية، والأكل مما يشاؤون، وقولهم حطةً، ودخولهم القرية ساجدين، وترتب على هذه الأفعال المغفرة والوعد بزيادة المحسنين على إحسانهم، فغيّر اليهود أوامر الله فبدل أن يقولوا حطة، قالوا حنطة حبة في شعيرة إشارة إلى الحنطة في سنبلها، وبدل أن يدخلوا سجدا دخلوا على أستائهم كمثل الطفل حين يحبو، فانتقم الله منهم، قال هنا (رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء) جائز أن يكون صاعقةً أو مطراً أو عارضاً من المطر أو غير ذلك، كان سببه عقاباً لهم على ظلمهم، يا للعجب قومٌ لا يخرجون من مأزقٍ حتى يدخلوا في آخر، ولا يقلعون عن ذنب إلا ارتكبوا أكبر منه، ما أشد حلم الله عليهم وصبره على شرهم!!، جريمة جديدة يرتكبونها أشار إليها القرآن بقوله:(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) يقال إن القرية "طبريا" لم يصرح بها القرآن، واكتفى أنها قرية على شاطئ البحر، وكان الله قد حرم على اليهود العمل يوم السبت، فإذا أرادوا الصيد يوم السبت لم يجدوا سمكة واحدةً في البحر، فإذا قرروا الإلتزام بأمر الله جاءت الأسماك وملأت البحر قريبةً منهم، حتى لو أرادوا امساكها بأيديهم ربما قدروا، إبتلاءً من الله كما ابتلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الصيد بالحرم، فثبتوا وأطاعوا، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في سورة المائدة، قال الله هنا إنما كان ذلك اختباراً لهم أيلتزمون المنهج ويطيعون الله أم يتبعون الهوى ويخالفون أمر الله، فكّر اليهود بوسيلةٍ يصيدون السمك فيها دون أن يخالفوا الأمر الإلهي، فقالوا في أنفسهم، العمل يوم الجمعة مباح، فلنضع شباكنا في البحر يوم الجمعة، فلا نكون مخالفين لأمر الله، والعمل يوم الأحد مباح فلنأخذ شباكنا يوم الأحد وبهذا لا نكون عاصين، وانقسم أهل القرية ثلاثة أقسام: قسمٌ وضعوا الشباك يوم الجمعة ليأخذوها يوم الأحد، وقسم سكت فلم ينكر ولم يتكلم، وقسمٌ نهى عن هذا المنكر وحذرهم مخالفة الأمر الإلهي واعلمهم أن هذا ذنبٌ عظيم وحيلة لتحليل ما حرّم الله أو مخالفة أمره، فانبرى السلبيون لهم وقالوا لهم"اتركوهم فالله سيعاقبهم"، إلى هذا القسم اشار الله بقوله:(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) كان هؤلاء غايةً في السلبية لم يكفهم أنهم رأوا المنكر فلم يعترضوا، بل منعوا غيرهم من الإعتراض، وحضوهم أن يكونوا سلبيين مثلهم، ولكن الجماعة كانت تعرف واجبها جيداً، وبينت السبب الذي دعاها إلى الإعتراض ومجادلة اولئك القوم الظالمين فاخبرت أنها جادلتهم لتقطع عذرهم وتلزمهم الحجة رجاء أن يتوبوا ويقلعوا عن هذا الخطأ، فالأصل في المؤمن أن يجتهد في دعوة الناس إلى الحق والتقوى ويأمل ذلك على حد قول يعقوب، (وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ) قال الله:(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ*فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) انصرف المذكرون عن العصاة والساكتين عليهم وجعلوا بينهم وبينهم جداراً، وفي يوم من الأيام أصبح القوم ولم يسمعوا لأولئك صوتاً فتسوّر أحدهم الجدار فرأى القوم قد مسخوا قردةً، قردةٌ لا يتوالدون ولكن يعيشون ثلاثة أيام ثم يموتون، وهذا ما قصه القرآن، فلما ترك أولئك الصيادون الإلتزام بترك العمل يوم السبت والإحتيال في الصيد (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوء) يعني المذكورين في الآية السابقة، (ِوَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ) أي الذين وضعوا الشباك يوم الجمعة وأخذوها يوم الأحد والذين رأوا ذلك فلم ينكروا، أخذناهم بعذاب بئيس يجعلهم بؤساء جزاءً على فسقهم أو بسبب فسقهم، فلما خالفوا أمر الله وأصروا على باطلهم وفعلوا ما نهوا عنه أمرهم الله أمراً تكوينياً أن يصيروا قردة، مطرودين من رحمة الله وعز الدنيا، ثم ذكر القرآن أن الله سلط على بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب علهم يرتدعوا عن باطلهم ويعودوا إلى الحق (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) اعتاد اليهود المعصية نتيجة الغفلة فاحتاجوا إلى ما يذكرهم بالله ويعيدهم إليه، فسلط عليهم من يلحق بهم سوء العذاب فيخافوا فيعودوا إليه ويقلعوا عن الباطل، لأن الله سريع العقاب ينزل العقوبة بمن عصاه دون سابق إنذار ويفتح باب التوبة للمخطئ ليتوب فيتوب عليه، ولكن الله مع العقاب يفتح باب التوبة والرحمة ويرفق بالمذنب حتى يعيده إلى الجادة، واسمعه يقول:(وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فجعل من اليهود قوماً صالحين وقوماً غير صالحين، أشار إليهم دون ذلك في الصلاح والتقوى، واختبر الله بني إسرائيل بالحسنات كالرزق والمال والجاه والسلطان، والسيئات كالظلم والإساءة إلى خلق الله والتعدي على الحرمات فسلطهم تارةً وسلط عليهم أخرى، جزاءً وفاقاً بما قدمت ايديهم، وهو إنما يذكر ابتلاء الله لهم ليقوّم ما اعوج من سلوكهم ويصوب ما انحرف من مسارهم ويعيد إلى دينهم نقاءه وطهارته ويعيدهم إلى الله، جعل بعد هؤلاء الموصوفين بالحسن والقبح بالصلاح وضده على تفاوت (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) مضى الصالحون وجاء بعدهم جماعةٌ سيئة، لأن كلمة "خلف" تدل على خلف السيء، والخلف هم الصالحون قال في سورة مريم:( خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) ، ووصفهم بأنهم ورثوا الكتاب، يأخذون من الكتاب أقل القليل ويتركون الكثير، ويقولون سيُغفر لنا، يحسنون الظن بالله ولو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، حريصون على الدنيا يتزودون منها معتمدين على مغفرة الله (وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) يتمسكون بالظواهر ويتقولون على الله ما لم يقله، مع أن الله أخذ عليهم العهد أن لا يقولوا على الله إلا الحق، وأكرمهم بالوحي المتلو فدرسوا ما فيه ولم يعتبروا بما درسوا، (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ) يتقون الله، يتقون ما يحبط العمل، يتقون ما يعرضهم للمسؤلية الجزائية، يقول لهم أتعلمون ذلك فلا تعقلون، وعلى الطرف الآخر طائفة تمسكوا بأوامر الله فنفذوها وأقاموا الصلاة فلم يضيعوها فوعدهم الله ألا يضيع أجر المصلحين، (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) وفي هذه الآية دعوة إلى الإصلاح بفعل ما ينفع أو يدفع، وطلب الأجر من الله. واحدةٌ جديدة من مخازيهم حين قطع لهم قطعةً من جبل الطور، ورفعه فوق رؤوسهم حتى أيقنوا أنه واقع بهم، وقال لهم خذوا ما آتيناكم بقوة وتذكروا ما فيه وأنتم ترجون أن يكون في ذلك تقوى الله وعدم الوقوع تحت المسؤولية الجزائية، والعامل في "إذ" أذكر أو نتقنا، (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) والذي دعاه إلى نتق الجبل أمرهم بالسجود فأبوا فرفع فوقهم قطعة من الجبل ليخيفهم، إما أن يسجدوا أو يسقطها على رؤوسهم فيموتوا، فسجدوا وعينهم على الجبل خشية أن ينزل عليهم، وصار ذلك خلقاً في اليهود يسجدون على حاجبهم الأيسر وعينهم اليمنى إلى السماء، وهكذا ختم الحديث عن بني إسرائيل في هذه السورة، فكان فيه عبرةً وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ما أحوجنا أن نعتبر بقصة موسى مع بني إسرائيل فهي مليئة بالعبر ترشد الناس إلى أقوم سبيل يسلكونه لينجحوا في هذه الحياة، وقد بينت لنا بشاعة أعمالهم وأخلاقهم وعظمة موسى عليه السلام وصبره على الدعوة فكان فيها العبرة، فاللهم وفقنا لنعتبر.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة