الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بنو إسرائيل وموسى  
سورة الأعراف   الآيات 138 - 159


نصر الله الحق وأعز القوم المستضعفين، وأغرق فرعون وقومه (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) رأى قوم موسى من الآيات ما لو كان لهم قلب لينٌ لخشع لله الواحد القهار، وما فكّر في معصيته ولو للحظة، ولكن قلوبهم قاسية كما وصفهم في سورة البقرة "كالحجارة أو أشد"، ما إن خرجوا من البحر منصورين ورأوا بأعينهم ما حل بمن كذب الرسول حتى رأوا قوماً يعبدون الأصنام، فقالوا يا موسى اجعل لنا الهاً كما لهم الهة، ومعنى (جَاوَزْنَا) أي عبرنا بهم وأوصلناهم إلى الشاطئ الآخر (فَأَتَوْا ) أي مروا (يَعْكُفُونَ) أي واقفون عند الأصنام يعبدونها، ومعنى (اجْعَل ) أي صيّر، أرادوا من موسى أن يجعل لهم صنماً يعبدونه من دون الله وأن يشاركوا الوثنيين في عبادة الحجارة بعد أن أنعم الله عليهم نعماً عظيمة لا يقدّر قدرها.
غضب موسى وقال لهم (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، إن أصعب ما يعاني المعلم أن يرى أن من علمه فجأةً يصبح جاهلاً، ثم بيّن لهم أن عمل هؤلاء هباءٌ من الهباء لا قيمة له ولا فائدة منه ولا ثمرة له، (إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ*قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) الأصنام لا تنفع ولا تدفع وعابدها يتبع السراب لا يجني فائدةً في الدنيا ولا في الآخرة، بل يجني العذاب والخزي، ثم قال لهم أأجعل لكم إلاهاً غير الله وهو فضلكم على العالمين، ففي هذه الآية إجمالٌ، كيف فضلهم على العالمين؟!، ذكر ذلك على سبيل التذكير فقال:(وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) كيف يقابلون الإحسان بالإساءة والإكرام بالكفر، إن الله أنجاهم من آل فرعون الذين تسلطوا عليهم فجعلوهم عبيداً أو كالعبيد، فساموهم العذاب السيء الذي ما بعده عذاب، أشد ما يؤلم الأب ويحزنه ويخزيه أن يرى ابنه الرضيع يقتل أمام عينيه وأن تترك ابنته فلا من يتزوجها، إضافةً إلى أن فرعون كان يستخدم بني اسرائيل إستخدام السيد لعبيده، وعقب القرآن فقال:(وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) وفي هذا اختبار من الله عظيم، لأنهم لم يدركوا نعم الله عليهم بإخراجهم من مصر وإنجائهم من ظلم فرعون، وربما وبّخهم وأنكر عليهم مثل ذلك القول، ولكنهم كالناس اليوم لا يفرقون بين الخير والشر، بين الهدى والضلال، فما إن ذهب موسى إلى الطور لمناجاة الله وتلقي وحيه وأمره ونهيه حتى صنعوا لأنفسهم عجلاً جسداً وركبوه في شكلٍ معيّنٍ يمر الهواء من مكان واسع ويخرج من مكان ضيق فيحدث صوتاً، ولما كان صوت العجل في اللغة يسمى خواراً، قال:(عجلاً جسداً له خوار)، فاعتبروه إلاهاً وعبدوه من دون الله، طوى القرآن هذا الجانب من القصة ليشير إليه بعد قليل، ونقلنا إلى ما كان بين موسى ورب العالمين وما أوحى الله به إليه وما كان من أمره فقال:( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) طلب الله من موسى أن يتعبده أربعين ليلة ذكرها هنا مفصّلة وجمعها في سورة البقرة، فميقات موسى أربعين ليلة وقبل أن يترك قومه أوكل أمرهم لأخيه هارون فجعله خليفةً له وأمره بالإصلاح وترك اتباع طريق المفسدين، وجاء موسى لميقات ربه فخلق فيه القدرة على سماع الكلام النفسي فسر أيما سرور، فأراد أن يرى الحضرة الإلهية بعيني رأسه، فأخبره الله أنه لا يستطيع ذلك في هذه الحياة، مع أن رؤية الله في هذه الحياة ممكنةٌ، لأن الله موجود وكل موجود يصح عقلاً أن يُرى، فالله يصح عقلاً أن يرى، ولكن بنيتنا البشرية في هذه الحياة الدنيا لا تحتمل ذلك، (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) وفي الآخرة يخلق الله العباد قادرين على تحمل رؤية الجبّار فيشرفهم برؤيته في الجنة، ومعنى قوله (أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) اي مكّني ويخلق فّي القدرة على رؤيتك لأنعم باللذة التي ما فوقها لذة، وجاءه الجواب منفياً ب(لن) وهي لمطلق النفي، لا كما ذهب اليه الزمخشري من أن نفيها مؤبد، وبنى على ذلك أن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم استدرك فقال:(وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَل)علق امكان الرؤية على استقرار الجبل، والجبل ممكن قابل للإستمرار والزوال، فعلّق رؤية الله على استقرار الجبل، والتعليق على الممكن ممكنٌ، ولما تجلى الرب صار الجبل دكاً اي انهد ولم يحتمل تجلي الإله، كما قال في موضع آخر (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) وموسى أيضاً لم يحتمل تجلي الرب (وخرّ موسى صعقا) أي مات أو أغشي عليه، فلما أفاق نزّه الله وأقر بالتوبة وأخبر عن نفسه أنه أسرع المؤمنين، وصل إلى الإيمان اليقيني بالدليل الحسي المقنع، وهنا أوحى الله إليه بهذه الكلمات وأنزل إليه ألواحاً مكتوباً فيها التوراة (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ*وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) امتن الله عليه بأن مكنه من سماع الكلام النفسي، وخصه بإنزال الوحي المتلو مكتوباً على ألواح، وهاتان منقبتان لموسى عليه السلام، جديرتان أن تخلق في نفس اليهود حب الله وطاعته والتزام أمره وترك ما نهى عنه، وهذا معنى (خذ ما آتيتك وكن من الشاكرين) وفي ضمن أمر موسى أمرٌ لقومه أن يقتدوا به فيعملوا عمله ويطيعوا أمره، وبيّن الله أن الكتاب الذي كتبه لموسى في الألواح فيه من كل شيء يحتاج إليه ذلك الزمان، فيه موعظة للناس تردهم عن الباطل إلى الحق، وتفصّل لهم الأحكام التي يحتاجون إليها في عاجل وقتهم وآجله، لذلك أمره أن يأخذها بقوة وأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها، ولما كانت كلها حسنة أظن أنه أراد أن يعملوا بالعزائم ويتركوا الرخص والحيل، (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) إخبار عن أن الله عز وجل سيريهم مصير الفاسقين وعقوبتهم حتى لا ينخدعوا بهم ولا يفكروا أن يعملوا عملهم، أخبر أن لا يوفق جماعةً تكبروا في الأرض بغير الحق فتعالوا على خلقه وأساؤا لهم، فعميت بصيرتهم وأظلمَ قلبهم فلم يعتبروا ولا تدبروا فيما رأوا من الآيات، حتى وإن رأوا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، فلا يتبعونه ولا يحكمونه ولا يسيرون فيما يأمرهم به، وعلى العكس إن رأوا سبيل الغي أي الفساد والضلال والهوى يتخذوه سبيلا أي يسيرون فيه ويعملون عمل الغافلين، (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) أما الذين كذبوا بآيات الله وباليوم الآخر فإن ثواب أعمالهم ضاعت جزاءً بعملهم أو جزاءً بالذي عملوه، (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) مضى موسى لحاله وترك بني إسرائيل مع هارون، وكان هارون ضعيف الشخصية غير قادر على ضبط حركة المجتمع، لأنه كان مسالماً وربما لم يكن عنده من القوة البدنية ما كان لموسى، فانتهز قوم موسى فرصة غيابه وصنعوا من الحليّ التي أخذوها من آل فرعون عجلاً على ما قدمت، (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ) أي عجلاً ضخم الجثة كبيراً وقد وصفته سابقاً أنه وضع بشكلٍ يدخل فيه الهواء من مكان ويخرج من آخر فيحدث صوتاً، الخوار: صوت العجل، ألم يعلموا أنه لا يتكلم ولا يكلِم ولا يسمع ولا يرشد ولا يمنع ولا يدفع، اتخذوه وكانوا ظالمين واضعين العبادة في غير موضعها اللائق بها، (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ولما غُلبوا على أمرهم وانقطعت حيلتهم وأيقنوا أنهم قد وقعوا في خطأ عظيم، تذكروا الله فخافوه وطلبوا مغفرته، فإنه إن لم يغفر لهم خابوا وخسروا كل شيء في الدنيا والآخرة، هكذا بين القرآن عمل بني إسرائيل في غياب موسى عليه السلام، وعلم موسى من رب العالمين ما صنع قومه في غَيبته، فعاد إليهم مسرعاً (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) لما أخبر الله موسى بما فعله به قومه، غضب غضباً شديدا، وكان موسى عليه السلام عصبي المزاج، فما أن وصل إلى قومه حتى فاجأهم بئس الشيء الذي فعلتموه من بعدي، ما بالكم تتركون الله وتعبدون صنما، أعجلتم أمر ربكم، كان فرحاً بالألواح أول الأمر، ولكنه ما إن رآهم عاكفين على العجل حتى ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، شأن الغضبان الذي يعبر عن غضبه بيديه، خافه هارون وهدّأ من روعه، قال يا ابن أم يا أخي نحن أبناء أم واحدة، إن القوم رأوني ضعيفاً غير قادر على مقارعتهم وأوشكوا أن يقتلوني فارفق بي ولا تشمت بي الأعداء، ولا تجعلني مع القوم الظالمين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها وسجدوا لصنم من ذهب، فأنا لا زلت مؤمناً موحداً أخاف الله وأرجوه، (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) عاد موسى إلى هدوئه وأدرك ضعف أخيه وعجزه عن مواجهة القوم المجتمعين على الباطل، فسأل الله أن يتجاوز عنه لما فرط منه وعن أخيه، فطلب من الله أن يجمعه مع أخيه في رحاب رحمة الله أرحم الراحمين، (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ*وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) وهنا يقرر القرآن أن لكل ذنب عقوبة، وعقوبة الذين اتخذوا العجل إلهً سينالهم غضب من ربهم، عقوبة عظيمة سيفصّلها فيما بعد، وذلةٌ ما بعدها ذلة في الحياة الدنيا، لأنهم افتروا على الله فجعلوا معه شريكاً، وكان جزاؤهم القتل، أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل، وفتح أمامهم باب التوبة على مصرعيه، فبيّن أن الذين عملوا السيئات ثم تابوا منها وآمنوا بالله الواحد القهار أنه يقبل توبتهم ويعفو عن زلتهم لأنه غفورٌ رحيم، وكان لزاماً على موسى بعد أن ألقى الألواح أن يحملها يقرؤها على بني إسرائيل، يبين لهم ما فيها وما كلفهم الله به، لأن في اتباع التوراة نجاةٌ للذين يخافون الله، يراعون مقامه وعظمته، (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) في قوله سكت عن موسى الغضب استعارة تمثيلية، فالغضب أمر معنوي لا يتكلم حتى يسكت وإنما أراد هدوء نفس موسى واطمئنان قلبه وانتهاء ثورة غضبه، أخذ الألواح التي كان ألقاها وقرأ فيها ما يهدي الناس إلى أقوم طريق ويكون سبباً لرحمتهم، خاصةً الذين يعودون إلى الله، يتوبون من زلاتهم ويعترفون له بالفضل، وكان لزاماً على بني إسرائيل أو على موسى بالأخص ان يختار منهم سبعين رجلا يذهبون إلى الطور ليعتذروا إلى الله باسم قومهم، ويستغفروا الله على ما بدر من الجماعة، (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) اختار موسى سبعين رجلا، لا أدري السبب الذي جعلهم سبعين، ربما كان كل رجل يمثّل مئة أو أكثر، المهم أنهم نقباء يمثلون قومهم، يذهبون لميقات الله، ربما كانوا عاجزين عن تحمل المسؤولية لذلك أخذتهم الرجفة من هول الموقف وخوف العقوبة، فتدخل موسى ليقول:"يارب لو شئت أهلكتهم من قبل أي من قبل أن يأتوا إليك، وإياي فأهلكتني معهم، ونحن نستحق الهلاك لما فعل جماعتنا، ولكن رحمتك أوسع"، إلى ذلك أشار بقوله:(أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا) أي تهلك الأتقياء الأنقياء بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل، أنت تبتلي الخلق لتظهر فضل الصالحين وزيف المخادعين، فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) تابع موسى دعاءه طالباً بعدها المغفرة، سائلاً الله أن يكتب له ولهم حسنةً في الدنيا لأنهم تابوا وأنابوا وحسنة في الاخرة لأنهم راجعوا أنفسهم ورجعوا إلى المنهج، وقال:(إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) أي عدنا إليك وتركنا الذنوب التي أرتكبنا، إن عذاب الله ينزله بمن يشاء ورحمته وسعت كل شيء وسبقت غضبه، فوعد أن يكتبها لثلاثة أنواع من البشر، أولهم الذين يتقون، والثاني الذين يؤتون الزكاة التي هي حق المال، والثالث الذين يؤمنون بآيات الله، ثم فصّل القوم في الإيمان بآيات الله فذكر النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه على الأمم التي قبله إذا أظلهم زمانه، (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وصف الله من يؤمن بآيات الله فأدخل فيهم الآيات المتلوة التي جاء بها الأنبياء السابقون كموسى وعيسى والتي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) فذكر محمد بصفته في التوراة والإنجيل يدل على أن الله أوحى إلى الأنبياء قبله بخبره، وأن من صفات محمد صلى الله عليه وسلم المذكورة في الكتب السابقة والتي لا يبديها أهل الكتاب، (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) فوصف محمداً صلى الله عليه وسلم بصفات: أولاها ضروريةٌ لقيام المجتمع الفاضل، فإنه لا يقوم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الظالم إذا لم يؤخذ على يده يتطاول فيسيء إلى نفسه وإلى غيره، وأما الثانية فضرورية لصلاح الفرد (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) فإذا أطاب الإنسان مطعمه ومشربه كان مجاب الدعوة وعاش الناس بأمن وأمان، لم يغصب أحدٌ احداً شيئاً ولا ظلم أحدٌ أحدا، ولا أساء أحدٌ إلى أحد، بل كان الناس كلهم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم، وأما الثالثة فهي التخفيف، عليها قامت أصول الشريعة الإسلامية ورأسها قاعدة تقول "المشقة تجلب التيسير" وفي القرآن (وما جعل عليكم في الدين من حرج) فالتكاليف إذا كانت شاقة صعبة التنفيذ أوقعت الناس في العنت والمشقة، وربما كان التكليف قبل محمد صلى الله عليه وسلم فيه شيء من المشقة فخفف عليه الصلاة والسلام كما خفف المسيح من قبل على اليهود بعض الأحكام، هذه هي الصفات التي تميز بها محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، فالذين آمنوا به قومه الذين عاصروه ومن يأت بعده، (وعزروه) أي منعوه من الناس وحموه فلا يساء إليه ونصروه على من خالفه، وقوله:(وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ) تعم كل مؤمن إلى يوم القيامة يؤمن بالله وينفذ كتاب الله ويتبع محمد رسول الله، وهؤلاء في منزلة رفيعة استحقوا أن يشاد بهم بأنهم فازوا بمطلوبهم الذي طمحوا إليه في الدنيا والاخرة، وهذه الايات فتحت الباب للآية التي بعدها والتي فيها دعوة الناس كل الناس إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، مقررة أنه رسول الله أرسل إلى الناس كافة، وأن الإيمان به واجب على كل من تبلغه دعوته إلى يوم القيامة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) فلا يفوز في الدنيا والآخرة إلا المهتدون، فإن اتبعوا محمداً وآمنوا بالله فازوا وإلا خابوا وخسروا، ما أجمل القرآن حين يعترف بالمخالف فيعطيه حقه كاملاً لا ينقص منه شيئاً، (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) فإذا كان ذلك كذلك فمن قوم محمد صلى الله عليه وسلم أمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون، وهذه الخاتمة تدل على أن الناس فريقان: فريق عرف الله واتبع المنهج الذي جاء به الرسل، وفريق غفل واتبع هواه فضاع، والسعيد من اتبع الحق، يفوز في الدنيا والاخرة، فاللهم وفقنا لنكون من السعداء.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة