الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الناس ورسل الله  
سورة الأعراف   الآيات 94 - 137


إذا أرسل الله رسولاً فكذبه القوم سلّط الله عليهم البلاء ليرتدعوا عن باطلهم قبل أن ينزل بهم عذاب الإستئصال، لأنه لا يستأصل القوم إلا بعد أن يطلبوا آيةً فيأتيهم الرسول بها ثم يكفرون فيستأصلهم، يبن الله في الآيات الآتية سنته مع الأمم السابقة لتعتبر بها الأمم اللاحقة فيقول:( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) كل نبي يدعو القوم إلى الإيمان ويبتليهم الله بالشدة أو بالمرض ليظهر فضلهم أو زيفهم، لأن الإنسان لا يظهر على حقيقته حال الرخاء لكن حال الشدة والضيق، وهنا يبتليهم ليراجعوا أنفسهم فيعودوا إلى الحق ويستسلموا له، فيلجئون إلى الدعاء رجاء رفع البلاء، فإن لم يفعلوا بدّلهم السيئةَ حسنةً فينسوا البلاء الأول ويعودوا إلى ضلالهم ويعتبرون ذلك من طبيعة الحياة، صحةٌ ومرض غنى وفقر قوة وضعف، عندها ينتقم الله منهم فجأةً في حال لا يشعرون أنه سينتقم منهم، مع أنه يجب أن تكون قلوبهم معلقة بالله خاضعة له يتقونه حق تقاته ويطيعونه حق طاعته .
(ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)، وهنا يلفت نظرهم إلى ذلك بأسلوب لطيف يوضح لهم ما حل بغيرهم من مَن يعملون عملهم،كي يصلحوا أحوالهم ويستقيموا قبل فوات الأوان، فيقول:( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) إن الإنسان إذا استقام على المنهج فأطاع الله وآمن به كان منسجماً مع الكون أحس براحة وأمن في نفسه وفي مجتمعه ومع أهله، واختار هنا "لو" التي تدل على امتناع شيء لشيء وضمّنها معنى الشرط، كأن سائلاً سأل لماذا لم يفتح عليهم بركات من السماء والأرض، فاستدرك ليقول (ولكن كذّبوا) أي لم يؤمنوا ولم يتقوا، فانتقم الله منهم جزاء كسبهم السيئات، لأن سنة الله أن يثيب الطائع بطاعته ويعذّب العاصي بعصيانه، لا بد من إقامة الدليل عن طريق المحاورة لذلك سألهم كيف تأمنون على أنفسكم وتعصون الله وتنامون ألا تخشون بأسه وانتقامه، جل وعز يسألكم سؤالين (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ*أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ*أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) أعصى الله أهل القرى فأمنوا إنتقامه مع أنهم في قبضته وغفلوا عن وعيده فناموا، ألا يخشون أن تكون النومة الأخيرة، ثم أضرب عن السؤال الأول إلى سؤال ثاني أعصى أهل القرى وأمنوا العقوبة لم يفكروا بها، فلربما أتاهم عذاب الله في وقت الضحى وهم يلعبون في غفلة عن الله وعن شرعه وحكمه وأحكامه، ثم يجمع الأمرين في سؤال واحد أعصوا فأمنوا مكر الله بهم وبطشه، ذلك لا يفعله عاقل بل العاقل يعد للأمور عدتها ويحرص أن يكون الفائز فيعمل الخيرات ويترك المنكرات يؤدي الطاعات ويجتنب المعاصي، فإذا غفلتم عن هذا وذاك وظننتم أن الله تارككم وما تعملون لا يحاسبكم ولا يعاتبكم أو يثيبكم فاعتبروا بمن فعل فعلكم فأهلكه الله، وقديماً قالوا لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، هاهي وصلت إليكم بعد هلاك غيركم فورثتموها ورأيتم قدرة الله وعلمتم أخبار الأمم الماضية ومع ذلك تعيشون في غفلة (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) يجب على الإنسان أن يعمل بصره وعقله فيما يرى ويسمع ويتدبر أحوال الذين من قبلهم وما حل بهم فيؤمن أن الله قادر على الإنتقام من مَن عصاه، فإذا لم يفكر بعض الناس بذلك وغفل عن الله فإنما حصل له ذلك لأن الله طبع على قلبه فأعمى بصيرته فلم يتفكر ولا تدبر فيما رأى أو سمع، فكان سمعه كلا سمع ورؤيته كلا رؤية، إن القرآن كتاب هداية وإعجاز، يقص على النبي ومن خلاله على الأمة أخبار الأمم السابقة لأن الدعوة بالقدوة أبلغ في التأثير من الدعوة بالكلمة وحين يرينا الأمم السابقة وما حل بها نعرف سببه ونتيجته فنزيل السبب حتى لا تقع علينا النتيجة، (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ*وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) قص الله علينا من أنباء الرسل وأنباء الأمم السابقة ما يقيم به الحجة علينا وعلى الآتين بعدنا فالأولون كذبوا الرسل وحاولوا تعجيزهم وإرهاقهم بكثرة المطالب والآخرون كذلك، وإنما كان ذلك بأن من يعصي الله يطمس الله على يصيرته فتعمى ويطبع على قلبه فيكلّ ولا يفكر، ينقض العهد ويخلف الوعد ويتنكر لما قاله بالأمس ويخترع شيئاً جديداً في الغد، لا يقر على قرار ولا يحل مشكلة لأنه خارج عن دائرة الإيمان مسرعٌ إلى المعصية مقبل عليها راغب فيها، والأمم المتقدمة بين نوح وموسى فلما انتهى القرآن من الحديث عنها وسرد العبر من قصصها ناسب أن يتحدث عن موسى إذ كان في قصصه عبراً، ما أحوج علماء المسلمين اليوم أن يطلبوها فينتفعوا بها، (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) شرع القرآن في قصة موسى من حين بعثه إلى فرعون وأيده بمعجزتين حسيتين لم يذكرهما ههنا واكتفى بالإشارة إليهما (بِآيَاتِنَا ) وشوقنا لنعرف ما سيحدث مع موسى فأمرنا أن نعمل نظرنا وفكرنا في التعرف إلى عاقبة المفسدين لنتجنب الفساد والإفساد على الصعيد الفردي والإجتماعي، (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ*حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) كان موسى لطيفاً مع فرعون هادئاً وأخبره أنه جديرٌ بأن لا يقول كلاماً إلاّ حقاً ينقله عن الله إلى فرعون، وأخبره أن معه الدليل الذي يثبت صدقه وهو أمر خارق للعادة يحدث على يد مدعي النبوة تصديقاً له بدعوته، وطلب منه أن يخلّي سبيل بني إسرائيل وهم أولاد يعقوب وأحفاده الذين استوطنوا مصر أيام يوسف عليه السلام، (قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ*فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ*وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ) فلما طلب فرعون الدليل على صدق موسى، طلب آيةً فأعطاه آيتين: ألقى عصاه وهي خشبٌ فتحولت إلى حيّة حقيقية لحماً ودما، وأدخل يده في فتحة ثوبه فتغير لونها من غير مرض بيضاء للناظرين، لم يرض الملأ أن يؤمن فرعون بموسى وعادةً ما يحاول المدعوون إفشال دعوة الأنبياء والدعاة لتشويه صورتهم بصرف الناس عنها، (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ*يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) فاستخدم حيلتين: اولاهما إدعاؤه أنه ساحر لما رأى من العصا التي تحولت إلى حية ولكنه لو أعمل نظره وفكره فيها لعلم أنها أبعد ما تكون عن السحر، والثانية إدعاؤه أن موسى يريد أن يهجر القوم من بلادهم وهذه دعوة باطلة لأن موسى لم يرد تهجير أهل مصر ولكنه أراد أن يعيد بني إسرائيل إلى بلاد الشام، وبعد هذه المقدمة سألهم فماذا تأمرون؟! يريد أن ينتزع منهم القرار الذي أوحى به إليهم حين وصف موسى بأنه ساحر عليم، فوصفه بوصفين ثابتين ليبنوا عليهما القرار الصائب في حقه، لكنّ القوم كانوا أعقل من أن يحكموا على موسى بما حكم به فرعون عليه فاقترحوا عليه تأجيل البحث في أمر موسى حتى يجمعوا له سحرةً من جنسه مهرةً في السحر قادرين على معارضة موسى وإبطال حجته، (قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ*يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) طوى جانباً من القصة هنا واكتفى بجمع السحرة لإبراز قوتهما في وجه موسى عليه السلام، تأثر السحرة بالإعلام فطلبوا حظاً من الدنيا ومكانةً عند فرعون إن استطاعوا أن يغلبوا موسى، وإنما كان ذلك منهم لأنهم لم يروا ما رأى فرعون وقومه، (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ*قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) كان السحرة مهرةً في السحر لأن جماعة فرعون اجتهدوا في إحضار خير السحرة في البلاد، فاعتزوا بمكانتهم وطلبوا المكافأة على قهر موسى وإبطال سحره بزعمهم، استفهموا فرعون أتعطينا أجراً إن غلبنا موسى وتجعلنا من المقربين عندك؟!، هم لم يطلبوا التقرب منه ربما لديهم عمل في الأماكن التي جاؤا منها، ولكن فرعون زاد على الأجر المادي أن يجعلهم من المقربين، وحتى ينتصر موسى وينهزم السحرة لا بد أن يبدأ السحرة بسحرهم، لأن موسى ليس ساحراً ولا علاقة له بالسحر، هو مؤيد من الله بمعجزة حسيّة، سأل السحرة موسى أحدنا يجب أن يبدأ، أتبدأ أم نبدا؟!، (قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) أراد موسى أن يقيم عليهم الحجة التي تفحمهم وتقطع عذرهم وتنقلهم من الكفر إلى الإيمان (قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) يبيّن القرآن في غير هذه السورة أنهم كانوا على درجة من السحر جعلت موسى نبي الله يخاف، لكنه هنا سهلها قال (سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ) أوهموا الناس أن حبالهم وعصيهم انقلبت حيات حقيقية وذلك إما لقوة شخصيتهم أو بالإيحاء إلى الناس بذلك، ويدل لهذا قوله:( وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)، ولكن الله كان مع موسى فثبته وأوحى إليه أن ألق عصاك فإذا هي تأكل ما يأفكون من الظلم والباطل (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ*فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ألقى موسى عصاه فأكلت جميع الحبال والحيات التي جمعها السحرة ولم تسمن، (فَوَقَعَ الْحَقُّ) أي ثبت وغلب وانتصر، (وَبَطَلَ) اي ضاع جهدهم أدراج الرياح الذي بذلوه في محاربة الحق ولكن الحق ينتصر في النهاية. نتيجة ذلك (فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ*وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ*قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ*رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) علم السحرة علماً يقينياً أن موسى ليس ساحراً وأنه رسول الله وأن عصاه انقلبت حيةً حقيقية أكدها الواقع لأنها أكلت جميع العصيّ والحبال ولم تسمن، ولو كان ذلك حيلةً من موسى لسمنت، فبدل أن يغلبوا موسى غلبهم، وبدل أن ينتصر ملأ فرعون هزموا وحاقت بهم الذلة، والسحرة الذين جاؤا لينصروا فرعون سجدوا لله الواحد القهار، وقالوا كلاماً يدل على صدق موسى وكذب الملأ (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ*رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)، هنا جُن جنونُ فرعون وأنكر عليهم فعلهم أن آمنوا بموسى قبل أن يأذن لهم هو، وكأنه رب نعمتهم واتهمهم بأنهم ما جاؤا إلاّ لنصرة موسى والدفاع عنه، واتهمهم بأنهم جاؤا ليخرجوا الناس من المدينة، نفس التهمة التي أتهم بها موسى عليه السلام، هكذا الإنسان ضعيف حين يغلب، يبسط لسانه في أذية الغالب والتحريض عليه بصرف الناس عنه، (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ*لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) أوعدهم على فعلهم بعقوبة شديدة هي الصلب في جذوع النخل يربطهم بشدة يشد رباطهم حتى لكأنهم دخلوا في الجذع، ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، عقاباً يليق بالظلمة أن يفعلوه، الظلَمة الذين مُلء قلوبهم الحقد والكراهية لخلق الله والتعصب لأفكارهم، لكن السحرة لم يأبهوا لفرعون وعذابه، لأن إيمانهم كان نتيجة إقتناع بدليل حسي لا يمكن إنكاره، وأفهموه أن سلطانه على أجسادهم ما داموا في هذه الحياة، فإن ماتوا فلا سلطان له عليهم، وأن سلطان الله في الحياة وبعد الممات ويوم القيامة، (قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ) فيجازينا على إحساننا ويعاقبك على إساءتك، لماذا تنقم منا؟! ألأننا آمنا بمعجزاتٍ أيد الله بها نبيه ووصلتنا؟! هذه منقبة لا خطيئة نسأل الله أن يثبتنا على الحق وأن يتوفانا على الإيمان، (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) فاستجاب لهم الله وثبتهم وأخزى فرعون. في المجتمعات المعاصرة والقديمة تجد أناساً يحركون الشارع على المؤمنين، يخافونهم فيحاربونهم بكل وسيلة وكثيراً ما يحرض الظلمة زعماءهم على الإساءة لمن يخالفهم في الفكر والمعتقد، وقوم فرعون من هذا القبيل حرضوا فرعون على موسى وقومه (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) أنكر الملأ على فرعون أن يترك موسى وقومه في بلده آمنين بزعمهم ليفسدوا في الأرض، هل عبادة الله فساد؟! أم إقامة العدل في المجتمع فساد؟! أم جمع الناس على إله واحد فساد؟! لكن فرعون أعماه الكبر والغرور كأنهم قالوا له إن تركته ترك الناس عبادتك وتركوك، فزيّنوا له معاقبة قوم موسى، (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)، عانى بنو إسرائيل من فرعون الكثير، كان يقتل البنات والأبناء أول الأمر، ثم ترك البنات ويقتّل الأبناء سنة ويتركهم سنة، وفي السنة التي تركهم ولد هارون، وفي السنة التي يريد أن يقتّل ولد موسى، ومع ذلك ولد موسى وعاش رغم أنفه، فالبلاء نازل بهم وبنو إسرائيل من البشر ظنوا أن ذلك بسبب موسى إذ كان عمل فرعون كله لإبعاد مجيء موسى عليه السلام، فثبّتهم موسى وأمرهم أن يستعينوا بالله ويصبروا وأعلمهم أن النصر مع الصبر وأن العاقبة للمتقين، (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) فأخبرهم أن النصر مع الصبر، وأن تقوى الله سبب للفوز والفلاح، فردوا عليه قوله محتجين بأن البلاء ما زال يصاحبهم فأخبرهم أن الله قادرٌ أن يهلك عدوهم ويستخلفهم في الأرض ليظهر زيف الزائفين وتقوى المتقين، (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ). إن الناس إذا كذّبوا الرسول كما فعل آل فرعون ينزل عليهم العذاب بأشكال مختلفة وأنواع متعددة، أشار إلى هذا قوله: ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ابتلى الله قوم فرعون ببلايا ذكرها هنا بعد ثلاثة آيات، وذكر أولاها في هذه الاية وهي السنين، ومفردها سنة وإنما تقال للسنة التي لا مطر فيها، فإذا قل المطر قل الثمر، لذلك رتّب على السنين نقص الثمرات، ليعرفوا أن لهم رباً فيعودوا إليه، ولكنهم قومٌ مكرة، إن جاءهم الخير قالوا هذا لنا وبفضلنا، وإن جاءهم الضيق تشاءموا بموسى، (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) فلما ادعوا أن ما نزل بهم من بلاء إنما كان بسبب موسى عليه السلام ومن آمن معه، وكان ذلك من قلب الحقائق رد عليهم إن الإثم الذي اقترفتموه هو السبب في قلة أرزاقكم وضيق معيشتكم وما ينزل من بلاء، ولطف القرآن فسح في التوبة فجعل أكثرهم لا يعلمون فيستطيع كل واحد منهم أن يبرأ نفسه فيقول أنا لست من الكثرة، وبهذا يفسح القرآن بالتوبة. كان الفراعنة متمسكين بباطلهم حريصين عليه، لا يريدون أن يتخلوا عنه، (وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ*فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) قالوا لموسى أي آية تأتي بها أو أي بلاء يصيبنا لن نؤمن لك، وصدّق فعلهم قولهم فقد أرسل الله عليهم الطوفان يصيب أرض المصريين ولا يصيب أرض اليهود، مع أن الأرضين متجاورتين، فلمّا وقع عليهم ذلك طلبوا إلى موسى أن يدعوا الله برفع البلاء، فرفعه فعادوا إلى ضلالهم ولم يفوا بوعدهم، ثم بعد الطوفان أرسل عليهم الجراد يغشى الفراعنة في قدورهم في أكلهم في نومهم في جميع أحوالهم، فطلبوا الى موسى فلما رفع البلاء عادوا إلى ضلالهم، والثالث كان القمّل، وأهل التأويل مختلفون فيه، أهو القمل أم الباعوض، وأياً ما كان فالقمّل نوع من الحشرات يغشى الإنسان فيقلقه ويؤذيه، مرّة ثالثة طلبوا من موسى أن يدعو الله برفعه فدعى الله فنكثوا كما نكثوا من قبل، ثم أرسل الله عليهم الضفادع تدخل في غواشهم، كذلك فعلوا كما فعلوا في المرات الأول، وكانت آخر آيةٍ أخزتهم وأذلتهم غاية الخزي والذل والهوان، تحولت المياه إلى دم فلا يستطيعون أن يشربوا ولا أن يطبخوا، الماء يشربه اليهودي ماءً، فإذا تفله في فم المصري انقلب دماً، فكان شاقاً عليهم، ثم رفع عنهم، قال آيات متتابعة كل واحدة منها منفصلة عن الأخرى، فتكبروا عن قبول الحق مع ما عانوا من ضيق وكانوا قوماً وقحين متمسكين بباطلهم، ثم يشير القرآن إلى ما كان منهم في كل مرة ابتلوا ببلية من هذه البلايا فقال:( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ*فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) عبّر عن البلاء الذي نزل بهم ب(الرجز) يذهبون إلى موسى ويطلبون منه أن يدعو الله لهم ببركة ما عنده من آيات، فيكشف الله عنهم ذلك البلاء لأن كل واحدة من الطوفان والقمل والجراد والضفادع والدم عقوبة شديدة، وكلما نجوا من بلاء عادوا إلى باطلهم مع أنهم مهددون إن لم يتوبوا ببلاء آخر، واستعد موسى وبني إسرائيل للخروج من مصر، واستغرق ذلك منهم وقتاً وجهداً فجمّع اليهود في بيوت متقابلة وتلك كانت فكرة حيّ اليهود أو منطقة اليهود التي يعيشونها في البلاد العربية وغيرها، وأمرهم موسى أن يقيموا الصلاة ويستعدوا للخروج، واحتال اليهود على الفراعنة فأخذوا ما استطاعوا من صيغتهم يتزينون بها لعبادتهم، وحان الوقت فأخرج الله موسى وبني إسرائيل من مصر، ولما حس الفراعنة بهم لحق بهم فرعون وقومه ليردوهم إلى مصر خدماً وعبيداً لهم، كان البحر أمامهم وفرعون وراءهم فقالوا لموسى إنا لمدركون، سيدركنا فرعون، قال كلا إن معي ربي سيهدين، فألهمه الله أن يضرب بعصاه البحر فانفلق البحر عن اثني عشر طريقاً، بين كل طريق وطريق جبال من الماء عن اليمين والشمال، قالوا لن نستطيع ان نعبر ولا نرى إخواننا، ففتح لهم نوافذ في الماء، آية بعد آية، ولكن بني إسرائيل قست قلوبهم من معاشرة الفراعنة، واعتادوا الذل من معاملتهم فما إن تحرروا حتى خالفوا موسى عليه السلام وفعلوا فعل اولئك على ما سنبينه في موضعه، ويعنينا هنا أن القرآن الكريم طوى هذه المقدمات، وذكر النتيجة دون أن يذكر المسببات التي أثمرتها فقال:( فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ*وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) فذكر هنا إنتقامه من فرعون وإغراقه إياه في البحر الأحمر بين مصر وفلسطين، وسبب إغراقه لفرعون وقومه تكذيبهم بآيات الله وشدة غفلتهم عما أكرمهم الله به من المعجزات الدالة على قدرة الله وعظمته وسعة علمه وحكمته، وآلت الحياة بعد فرعون إلى بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين أيام فرعون، أورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها، ومنها الأرض المقدسة التي بارك الله فيها، وتم النصر لبني إسرائيل على عدوهم جزاء صبرهم على ما اصابهم الله به من بلاء وعاقب الله فرعون فمحى أثره ودمّر مظاهر فساده فلم يبق لها أثراً، وإلى ذلك أشار بقوله:(وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)، هذا ما كان من إكرام الله لبني إسرائيل لأنهم صبروا وخضعوا لله وأطاعوا نبيهم وآمنوا به، وعاقب فرعون وقومه لأنهم أفسدوا في الأرض وعصوا الله وتعرضوا لرسوله فآذوه، ومع أن الله رأف بهم فلم يرأفوا بأنفسهم ولا راجعوا الحق ولا رجعوا إليه، وهذا المقطع من الآيات يعلمنا أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الشدة وأن مع العسر يسرا، كما يعلمنا أن التكبر والظلم والإساءة إلى خلق الله كل ذلك يؤدي إلى زوال الأمم، وبقدر ما يكون الإنسان مفيداً للناس مطيعاً لله عادلاً مع خلقه يكون ذكره في الأرض، فاللهم وفقنا لنكون ناصرين للحق مؤيدين له واقفين إلى جانبه.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة