الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الألوهية والأنبياء 
سورة الأعراف   الآيات 54 - 93


استفتح البيان بالتوحيد وقدّم قضيةً لا يستطيع أحد أن ينكرها، وأكدها ب"إنّ" تعريضاً بالكفرة إذ كان الحديث السابق عنهم فقال:(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) وقوله في ستة أيام ليعلمنا التخطيط والترتيب وإتقان العمل، وقوله ثم استوى على العرش هذا التركيب ورد في القرآن الكريم في أكثر من موضع، وسياقه هذا المساق للتعريض بالكفرة الذين تكبروا عن الخضوع لله، فهذا العرش أعظم مخلوق خاضع لله فما بال الإنسان!! وذكر العرش للدلالة على مركز تدبير الكون، فمن العرش تصدر الأوامر وإليه ترفع الحاجات والعرش رأس المملكة، أطلق المكان وأراد المكين.
وأشار إلى التدبير بقوله:( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) فالليل يغطي نور النهار فإذا ذهب الليل ظهر النهار وكل منهما مجاورٌ للآخر يحل محله إذا غاب لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأكد على التدبير بذكر تسخير الشمس والقمر والنجوم، ثم قرر حقيقةً ثابتة لا ينازع فيها عاقل ويسلمها كل مسلم، قررها بقوله:(أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) فجمع بين النفي والإثبات وقدم الجار والمجرور ليدل على أن الخلق له لا لأحد غيره، والأمر له لا لأحد غيره، وهنا ناسب أن يدعو له بالبركة (تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) وهذا ثناء والثناء مقدمة الدعاء لذلك عقّب الآية بقوله:( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ*وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) فبيّن أدب الدعاء ولا يكون مقبولا إلا إذا كان صاحبه مخلصاً لله، ولا يتحقق له ذلك إلا إذا أخفاه عن الخلق، فالدعاء المقبول ما كان فيه خضوع لله وتوجه بالكليّة إليه وابتعاد عن خلق الله وعلل ذلك بخاتمة الاية (إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) فعمم بعد تخصيص، فلفظ المعتدين اسم موصولٌ وصلته، وصلة الموصول علة الحكم والله لا يثيب المعتدين لا في دعائهم ولا في أعمالهم لأنهم معتدون، تجاوزوا الحد المسموح لهم به، فالقرآن يعلم الناس الإنتظام في المجتمع وعدم الإستئثار على الناس بشيء، وقد يكون الإعتداء في الدعاء بأن يطلب شيئاً معيناً بعينه وهذا لا يجوز، أو يعتدي على إنسان فيدعو عليه بشيء لا يجوز أن يدعو به، ولأن الإعتداء مقدمة للفساد أتبع الآية بقوله:( وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)خلق الله الأرض نظيفةً نقيةً وخلق فيها أسباب تنظيفها إذا اتسخت وجعل فيها ما يصلح ما فسد من أحوالها، فالإنسان يتنفس الأوكسيجين والشجر في النهار يولد الأوكسجين ولبعض الحشرات وظائف ولبعض المخلوقات وظائف كل ذلك يحدث تعادلاً في البيئة، فإذا اعتدى الإنسان على غيره من المخلوقات أثّر على البيئة وأفسد الطبيعة، لذلك تراه يجمع بين الدعاء وبين الحرص على نظافة البيئة وصلاح أحوال الناس، ولا ينجح الدعاء إلا إذا جمع بين الخوف والرجاء لأن سلوك المؤمن ينضبط بذلك، فلا يطغى الخوف فييأس المخلوق، ولا يطغى الرجاء فيتكل، وختم الآية بالإخبار أن رحمة الله قريب من المحسنين، والمحسنون هو الذين يعملون الأعمال الصالحات التي تنفع وتدفع ويراقبون الله فيما يفعلون ويتركون، ودعاهم إلى التشبه بأخلاق الله والإقتداء به في نشر الخير في المجتمع فقال:(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وانتقل من صورة المطر وأثره الجميل على الطبيعة وما يحدثه الماء من خير عام ثمرات مختلفة، ثم نقلنا إلى العقل لنستدل على قدرة الله أن يحيى الموتى فيحاسبهم ويثيب من يستحق ويعاقب، فإذا تأمل الإنسان في الطبيعة طابت نفسه واستراح فكره ففكر فيما بعد هذه الحياة من العودة إلى الله فتذكر، وقد يكون الماء سبب الحياة لكن لا بد معه من شيء آخر، الأرض التي تقبل الماء فتنبت أو تكون أرضاً خبيثة تنبت نباتاً خبيثاً، ولما كان الإنسان مخلوقاً من الأرض ويتوالد بنتيجة ما يأكل من الأرض كان الناس كالأرض كما فصل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ضربه فقال:"إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل غيثٍ أصاب أرضاً فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ ومختلف الثمار وكان منها طائفة أمسكت الماء فلم تنبت فأخذ الناس الماء فانتفعوا به فشربوا وسقوا، وطائفة ثالثة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ مر فيها الماء ومضى"، هكذا الإنسان بعضه يقبل العلم وينقله للناس فيعلم الآخرين وبعضهم يحمل العلم ولا ينتفع به هو ولكن ينتفع به غيره، وبعضهم يمر على العلم ولا يفيده شيئاً، لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث:"فذلك مثل من فقه في دين الله فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً" فمر العلم عليه ومضى، (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) وإنما ذيّل بقومٍ يشكرون ليرغّب المؤمن أن يكون من الصالحين العاملين ويحذره أن يكون من الآخرين، وهذه الآية جاءت مقدمة لنظر القرآن في قصص الأنبياء السابقين مبتدءً بنوح أبي البشر الثاني، عاش نوحٌ مع الناس ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى توحيد الله (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) دعوة صادقة إلى الإيمان بالله وتحذير من عذابه، أوردها هنا مختصرة لأنه فصّلها في سور قبلها بحسب ترتيب النزول وطواها هنا تشويقاً للقارئ حتى يفكر فيها فلا ينساها فتحقق الموعظة هدفها، فبماذا أجابه قومه؟ أجابوه جواباً يدل على جهلهم ووقاحتهم شأن كثير من الناس في أيامنا هذه حين ندعوهم إلى الإسلام فيتهموننا بالإرهابيين أو التكفيريين، هكذا قال قوم نوح (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) هل أمرهم بمنكر؟! هل دلهم على طريق خاطئ؟! والملأ هم الجماعة الكبار كمثل الزعماء في أيامنا هذه، سموا ملأً لأنهم يملؤن المكان فلا يكون لأحدٍ قول مع قولهم، بل الكل يتابعهم، واتهموه بالضلال المبين لأنه دعاهم إلى ترك آلهتهم الخمسة التي هي حجارة لا تسمع ولا تمنع ولا تدفع، وأمرهم بعبادة الواحد القهار فاتهموه بالضلال، ترى من هو الضال أهو أم هم؟!، ومع ذلك صبر عليهم وتحمل منهم (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ*أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) نفى عن نفسه أن يكون في ضلالة وأقر أنه مرسلٌ من رب العالمين وأن الله أرسله ليبلغهم أمر الله ودعوته لهم أن يقلعوا عن عبادة الأصنام ويتوجهوا إلى عبادة الرحمن، وإنما دعاه للصبر عليهم والتلطف معهم أنه يبذل لهم أقصى جهد في دلالة على الحق الذي يدعو إليه ويجتهد في صرفهم عن الباطل الذي هم فيه، وما النصيحة إلا ذلك، وأخبرهم أن الله علّمه ما لا يعلمون هم، ثم سألهم فقال:(أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ما وجه العجب في ذلك! إن الله يكرم من يشاء بما يشاء، فشرفهم ببعثة نوح عليه السلام وهو رجل منهم يعرف لغتهم وعاداتهم ويعرفون صلاحه وفضله فيهم، وإنما بعثه الله لثلاثة أمور: الأول الإنذار أي التخويف لأن حالهم لا تسر صديقاً وإن استمروا على ذلك كانت عاقبتهم وخيمة فيخوفهم ليقلعوا عن باطلهم ويطيعوا الله ويجعلوا بينهم وبين عذابه وقاية رجاء أن يرحمهم في الدنيا فيرفع عنهم البلاء ويرحمهم في الاخرة فيدخلهم جنات النعيم، (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ) لم ينفع معهم نصح ولا هداهم جدال، فاستحقوا العقوبة على أنه فصّل قصتهم في سورة هود على ما سيأتي، واكتفى هنا بذكر اغراقهم في الماء فماتوا عن آخرهم، وأنجى الله نوحاً والذين آمنوا معه في السفينة التي صنعها وكان قومه يستهزؤن به ويسخرون منه وهو يصنع السفينة، ما أغباهم لذلك وصفهم أنهم عمين، لم يبصروا الحق ولا التفتوا إليه ولم تنفعهم موعظة، مضى قوم نوح وجاء بعدهم قوم هود عليه السلام والقصة تتكرر مع هود، الناس هم الناس فهذا هود يقول:( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) مواطن قبيلة عاد جنوبي المملكة السعودية، بين السعودية واليمن ربما كانت أرضاً خضراء كثيرة الخيرات فحولها الله إلى رمال متحركة، ولكن الله إذا عاقب قوماً جعل في عقابه رحمةً للأحياء، وهود عليه السلام من قبيلة عاد، لذلك قال أخاهم لأنهم من نفس القبيلة ودعوته إلى التوحيد والإستفهام في (أفلا تتقون) همزته داخلة على محذوف، أتعلمون أنه لا إله غيره أفلا تتقون. ولا تختلف إجابة قوم هود عن إجابة قوم نوح إلا في تغيير اللفظ، ولكن الوقاحة في كلا الإجابتين ظاهرة، فاولئك قالوا في ضلال واضح، وهؤلاء اتهموه بالسفه، والسفه ضعف العقل، أي اتهموه بأنه قاصر عن ادراك حقائق الأشياء وظنوا فيه غير الحق، ظنوه من الكاذبين (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، ولم يختلف رد هود عن رد نوح (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) كما كان نوحٌ ناصحاً لقومه كان هود أميناً على الدعوة حريصاً عليها مبيناً لهم أنه راجح العقل سويٌ يبلغ عن الله ما أرسل به ويخلص للقوم الذين أرسل إليهم فيستخدم الأساليب التي تقنعهم ويجتهد في إزالة شبههم، ثم أنكر عليهم عجبهم أن يكون الرسول منهم وأن يكون مكلفاً بإنذارهم رجاء أن يخافوا الله (أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فذكّهم وزاد هود شيئاً آخر أنه ذكّرهم بما حل بقوم نوح وأنهم خلفوا قوم نوحٍ وأن الله امتن عليهم وزادهم في الخلق بسطة: أي قوةً وصحة وأجرامٌ كبيرة، وختم نصيحته بقوله تذكروا نعم الله وتفكروا فيها عسى أن يكون في ذلك صلاحاً لأنفسكم وأعمالكم فتفوزوا برضوان الله في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، وكأن قوم هودٍ كقريش متمسكون بعقائد الآباء بعبادة الأصنام فتحدوا هوداً أن يأتيهم بالعذاب إن كان من الصادقين كأنهم اتهموه بالكذب دون أن يصرحوا (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) هنا تحمس هودٌ عليه السلام وأراد أن يرد عليهم رداً مفحماً يسكتهم ويدحض باطلهم (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) أنكر عليهم هذا الجدال وأخبرهم بغضب الله عليهم وانتقامه منهم لأنهم يجادلون في الوهية أصنامٍ حجارةٍ سموها آلهة، ليس فيها من صفات الألوهية شيءٌ، لا عقلاً ولا حساً ولا شرعاً، وتطلبون العذاب إذاً فانتظروه وأنا سأنتظر معكم، وجاء العذاب (فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ) هكذا انتقم الله من قوم هود كما من قوم نوح، ثم انتقل إلى قوم صالح، وصالح من قبيلة ثمود لذلك قال:( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) وهؤلاء قوم صالح كمثل من قبلهم يدعون إلى التوحيد فيطلبون آية ويقترحون شكلها ناقةٌ تخرج من الصخر فيجيبهم إلى طلبهم، ويقول هذا دليل النبوة معجزة ناقة تخرج من الصخرة ومعها فصيلها تسقي القرية لبناً في يومٍ وتستريح في اليوم الاخر، فأمرهم أن يتركوها تأكل في أرض الله ونهاهم أن يمسوها بسوء وأوعدهم بعذاب يحل بهم، ثم ذكّرهم أنه جعلهم خلفاء من بعد عاد وجعل لهم مكانةً في الأرض مكّنهم من بناء قصور في سهول الأرض، وأعطاهم القدرة على حفر البيوت في الجبال، بيوتاً جميلةً فيها رفاهية لا تزال باقية إلى يومنا شاهدةً على ظلم الإنسان نفسه وإعراضه عن الله، ذكّرهم صالح نعم الله عليهم وحذّرهم من نشر الفساد في الأرض، كم كان صالح حليماً صبوراً قوي الحجة ولكن إذا أنت أكرمت اللئيم تمردا، فأجابه الملأ المستكبرون بباطلهم المتطاولين على الحق، سألوا الضعفاء من قومه وهم يعلمون أنهم مؤمنون لكنهم سألوهم سؤال استدراج يستكشفون به واقعهم، أتعلمون أن صالحاً مرسلٌ من ربه؟! شأن بعض الجواسيس الذين يستدرجون الناس ليعلموا خبيئة أفكارهم، أجابهم أولئك المؤمنون (إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) هنا غضب الملأ من إيمان اولئك الضعفاء وصرحوا بكفرهم، (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ*فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) هكذا قضى الله على بني ثمود بالعذاب ومسخهم حجارةً وديارهم شاهدة عليهم وعلى ظلمهم أنفسهم، لا تزال مهجورة إلى يومنا هذا، لم يسكن فيها أحد، فتركهم وخاطبهم كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلى بدر، (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) بذل جهده واستفرغ وسعه في النصح لهم ومحاولة هدايتهم وأقام لهم الأدلة المقنعة وجاءهم بمعجزة حسية، لم تنفع معهم لا المعجزة ولا النصيحة ولا التخويف، لذلك قال لهم (لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) أي لا تسمعون لهم ولا تقبلون قولهم، وبعد ثمود يأتي قوم لوط وكأني بالقرآن يطوّف بالجزيرة العربية فيذكر قوم هود في جنوبها ويذكر قوم صالح في شمالها ويذكر قوم لوط قريباً بينها وبين الأردن، وقوم لوط جمعوا إلى الكفر بالله الفاحشة والمراد بها الشذوذ الجنسي، كانوا أول من تجرأ على هذا، (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ*إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ*وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) فسرها القرآن فبينها بصراحة ما بعدها صراحة، وذيّل الآية بقوله مسرفون أي متجاوزون الحد في القبح وقلة الحياء والإنغماس في الشهوة، لكنهم كانوا قليلي حياء وقحاء أجابوه جواب مستهزيء ساخر، أمروا بطرده من بلادهم، بحجة (إنهم أناس يتطهرون) استهزاءً بهم وسخريةً لهم، فحل بهم ما حل بمن قبلهم من العذاب (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ*وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) هنا ظهر الحق وزهق الباطل، أنجى الله لوطاً وأهله ومن آمن به إلى امرأته لم تكن شاذةً ولم تكن زانيةً، فإن زوجات الأنبياء طاهراتٌ نقياتُ الذيل، لكنها ترشد قومها إلى ضيف لوط عليه السلام، ولما جاءه الملائكة أخبرتهم أن عند لوطٍ رجلين جميلين، فأسرع القوم إليهما وقصته مفصّلة في غير هذا الموضع، لكنه هنا طواها، وقصده باختصارها العبرة لمن يعتبر، كان الأمر أن لا يلتفت أحد إلى ما ينزل بقوم لوط، فالتفتت امرأته فأصابها ما أصابهم، يقال إن الملك رفع قرى المؤتفكات إلى السماء ثم قلبها رأساً على عقب وألقاها وأتبعها بالحجارة، وموقع هذه القرى تحت البحر الميت، والبحر الميت ينخفض عن البحر المتوسط بأكثر من ثلاثمائة متر، واكتفى هنا بذكر ما أمطره عليهم، ونكّر مطراً لتعظيمه والإشادة به كانه قال أي مطر: حجارة فانظر أيها القارئ واعتبر أيها السامع كيف كان عاقبة المجرمين، فلا تتشبه بهم ولا تسِر سيرهم. بقيت جهة واحدة أشار إليها بقوله:( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ*وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) مواطن مدين بين مصر وفلسطين، وشعيبٌ أمر قومه بما أمر به الأنبياء قبله، وبيّن لهم ما بينوه وأقام لهم الأدلة الواضحة وأمرهم بوفاء الكيل والميزان ونهاهم أن ينقصوا الناس حقهم ويستخفوا به، ونهاهم عن أن يفسدوا في الأرض بعض إصلاحها، وبين لهم أن ذلك كله خيرٌ لهم في عاجل أمرهم وآجله إن كانوا مؤمنين، وإن آمنت جماعةٌ منكم بالذي أرسلني الله به وكفرت أخرى فاصبروا إلى أن يحكم الله بيننا والله خير الحاكمين. إن الإنسان الذي لا يستحق الإكرام إذا أكرم طغى وبغى، وشعيب عليه السلام كان لطيفاً مع قومه ولكنّ قومه كأناس اليوم لا يكرمون عالماً لعلمه ولا أديباً لأدبه، فاسمع أيها القارئ بماذا أجابوه (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ* قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) هكذا الإنسان يقابل الإحسان بالإساءة والخير بالشر والوردة بالشوك لأنه تعالى أكرم خلق الله فظن نفسه خيراً منه، لذلك لم يحتمل قوم شعيب أن يعيشوا مع شعيب والمؤمنين في مكان واحد فخيروه بين أحد أمرين مقسمين بالله على ذلك: أن يرتد عن الإسلام أو يترك بلادهم ويهجّروه في أرض الله، والخياران أحلاهما مر لأن الإنسان يكره أن يهجّر من بلده التي نشأ فيها وأحبها، ويكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار، لأن في الردة كذب على الله، لذلك قال شعيب لهم "أتفعلون ذلك ولو على كرهٍ منا، إننا إذا رجعنا إلى ملتكم كذبنا على الله وصرفنا الناس عن الإيمان به بعد أن هدانا وأنجانا من الكفر، فلا يمكن أن نفعل ذلك إلا إن قضى الله علينا ذلك، فهو وحده الذي يحمينا من شركم ويرعانا دونكم لأن علمه محيط بكل شيء وقدرته مطلقة وإرادته نافذه، لذلك نتوكل عليه ونعتمد على قوته، نسأله أن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق"، وذيّل الآية بجملة إسمية مقرونة بواو الحال (وأنت خير الفاتحين) فلا أخير منك ولا أحسن ولا أقوى ولا أعز، وهنا استشرس قوم شعيب الكافرين فازدادوا عتواً وأوعدوا المؤمنين إن اتبعوا شعيباً بالخسران والخيبة (وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ) هكذا الإنسان يثور ويغضب ويغفل عن الله يتطاول على خلق الله مع أنه ضعيف عاجز في لحظة ينتهي، هددوهم وأوعدوهم فماذا كان من أمرهم؟! سلط الله عليهم جنداً من جنده فانتهوا (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) هكذا انتهوا فماتوا شر ميتة برجفة رجفت بهم فأنهت حياتهم، فأي خسران أعظم من خسرانهم، كانوا ومضوا وانقطع أثرهم، (الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ*فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) مضى قوم شعيب فلم يبقى لهم أثر ولا بقي لهم ما يدل عليهم، أفنوا عمرهم في معاصي الله والإساءة إلى خلق الله ونشر الفساد في الأرض، مضوا كما جاءوا لا يملكون شيئا ولا أفادوا الخلق بشيء، وانصرف عنهم شعيب بعد أن قال لهم كلمات تكتب بماء الذهب، فإن كان من معتبر فلينظر فيها عساه يعرف الحق فلا يغتر بالدنيا، ويعمل لدنياه وآخرته، يؤدي ما كلفه الله به ليفلح، يسمع كلام الرسل فينفّذه كما هو، اسمعه يقول لهم لقد أبلغتكم رسالات ربي، أحسن ما يكون البلاغ وأوفى (ونصحت لكم) أصدق نصيحة وأخلصها، فكيف أتألم لموت قوم كافرين تمكنوا من معرفة الحق لدليله فلم ينتفعوا وقدمت لهم الأدلة الواضحة فلم يقتنعوا وأصروا على كفرهم مع قيام الحجة على بطلانه، مسكين هذا الإنسان يغتر بالدنيا يجمعها ويقاتل في سبيل الحصول عليها وما هي إلا لحظات حتى يتركها ويمضي، فاللهم جنبنا الزلل ووفقنا إلى العمل.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة