الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الإعتبار بالآثار  
سورة الأنعام   الآيات 1 - 11


بعد أن فصّل الأحكام التي يحتاج إليه الناس بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين الله، وبيّن الحلال والحرام من الأطعمة وغيرها، ونظّم علاقات الفرد والمجتمع وألمّ بأحوال أهل الكتاب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم، لأن حالهم لم تتغير وعقائدهم استقرت على ما قرره مؤتمر "نيقيا" المسكونيّ المنعقد سنة 325 م، كان لا بدّ بعد هذه الجولة الطويلة من الإنتقال إلى موضوع التوحيد وإقامة الأدلة عليه من الطبيعة القريبة والبعيدة، ما يوضّح الحق ويثبّته في النفس ويقوّم الأخلاق والسلوك. بدأها بالحمد على غرار فاتحة الكتاب لعله يريد أن يثنيّ البحث أو لعله يريد أن يبيّن للناس أنه المنعم المتفضّل المستحق للحمد على مر الليالي وتوالي الأيام فقال: { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الإختياري، ومنه خلق السماوات والأرض وما فيهن وما بينهما وجعل الظلمات والنور، لأن بالنور تتميز الأشياء وتعرف ويدرك الحق ويلتزم به الناس، فالخلق التقدير وخلق الله السماوات والأرض إيجادهن على غير مثالٍ سابق، وقد بيّن في سورة فصّلت ما الذي خلقه أولا وتالياً وسأشير إليه في موضعه إن شاء الله، ونلاحظ أنه جمع السماوات وأفردَ الأرض لأن السماوات سبعٌ بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، والأرضين طبقات متداخل بعضها في بعض، وجمعَ الظلمات لأنها متعددة الأسباب، فالجهل ظلمة والكفر ظلمة والضلال ظلمة والشرك ظلمة، وأفرد النور لأنه واحد، فجعل النور لنبصر به الظلمات ونستكشف خبايها وخفاياها، { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ } "الذين" اسم موصول "كفروا" صلتها وصلة الموصول علة الحكم، فما داموا كفروا بربهم { يَعْدِلُونَ }، و"يعدلون" إما من العدل بمعنى المساواة أي يساوون الخالق بالمخلوق كما فعل النصارى أو المشركون وربما "يعدلون" أي يميلون عن الخالق إلى المخلوق، { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ } المراد أصل خلقنا من طين، وعلى كلٍ فالإنسان مخلوق من منيّ وأصل المني من الطعام واصل الطعام من التراب والماء، { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } مدة الحمل أو المدة التي بقي فيها آدم عليه السلام في الجنة طيناً، والأقرب أن يكون المراد بالأجل مدة الحمل لأنه قال هنا { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } وقال في الحج: { وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا } فالآيتان تدلان بمجموعهما على أن المراد ب { أَجَلاً } مدة الحمل التي يبقى فيها الجنين في بطن أمه، يؤمّن له الطعام والشراب إلى أن يخرج طفلاً، ثم إن القرآن رد العجز إلى الصدر فقال: { وَهُوَ اللّهُ } يعني الذي له الحمد على خلقه { فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } أي هو الله صاحب العلم الواسع أحاط علمه بكل شيء لا يخفى عليه شيء من أمركم كنتم في السماء أو كنتم في الأرض لا يخفى عليه من حالكم شيئاً، من سرٍ أو جهرٍ أو ما تكسبون، وقوله في الآية الأولى { ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } أي تشكّون في قدرته وعلمه بعد أن بلغتم كمالكم وقوتكم واشتد عودكم، وقد فصّل ذلك في سورة ياسين حين قال: { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ }. ثم بيّن موقفهم من الوحي الإلهي من الآيات المتلوة والآيات الكونية فقال: { وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } فلا يعتبرون بالآيات الكونية ولا يتدبرون الآيات القرآنية، أصموا آذانهم عن سماع داعي الحق وأعموا أبصارهم فلا يبصرون الحق { فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ } فناسب الوعيدُ بعد الوعد فقال: { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ } فيروا الأمور على حقيقتها في وقت لا ينفعهم ذلك شيئاً وقد أعذر من أنذر. ثم بدأ بذكر بعض الأدلة من التاريخ فهو خير شاهد، كيف لا وهم يقولون السعيد من وعظ بغيره {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ } الهمزة للإستفهام و"لم" للنفي والرؤيا هنا قلبية بمعنى العلم، و"كم" خبرية بمعنى كثير، يقول لهم على طريقة الإستفهام التقريري قد أهلكنا الكثير من قبلهم ألم يعلموا من خبرهم وما كان من أمرهم: { مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ } أي جعلنا لهم مكانةً ومكانا، كانوا محترمين أكثر من هؤلاء { مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا } أنزل عليهم بركات السماء فعم الخير وانتشر الرخاء، { وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ } فطغوا وبغوا ولم ينتفعوا بما أنعم الله عليهم فيصلحوا حالهم ويقيموا الحق بينهم، على العكس من ذلك {فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ } وكأني به يقول للعرب إحذروا أن يصيبكم ما أصاب الماضين فتهلكوا كما أهلكوا، { وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ } اطلق القرن هنا وأراد أهله الذين يعيشون فيه، أي أهلك الأولين وأنشأ بعدهم الاخرين، وهذا من كمال التهديد للعرب المعاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم المتعنتين في رفض دعوته وطلب المعجزات الدالة على صدقه، ثم أشار القرآن إلى واحدة من المعجزات التي طلبوها وبيّن لهم انه لو أجابهم الى ما طلبوا ثم لم يؤمنوا لاستحقوا العذاب فقال: { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } سبق أن قالوا: { وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ } أرادوه كتاباً من الله رب العالمين إلى فلان ابن فلان أما بعد فإن محمداً رسولي إليك، فردّ عليهم ههنا فقال لو و"لو" للإمتناع لو فرضنا أنا نزّلنا عليك كتاباً كما طلبوا { فِي قِرْطَاسٍ } أي في ورق { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } أي قرؤه ولمسوه بأيديهم { لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي ما هذا إلاً سحر مبين أي سحر واضح لا شبهة فيه، كيف يكون سحراً وقد لمسوا القرطاس ورأوه، والسحر لا يمكن أن تتطابق فيه الرؤية واللمس، ولكنهم لا يريدون الإيمان ولكن يريدون تعجيز النبي صلى الله عليه وسلم وإرهاقه بطلب المعجزات، ولم ينزل الله الكتاب ولا أجابهم إلى ما طلبوا من معجزات لأنه ليس من حق المدعوين أن يختاروا نوع المعجزة التي يريدونها ليؤمنوا بالرسول، أيُ أمرٍ خارق للعادة مخالف لما ألِفوه وعرفوه خارق لنظام الكون يكفي في إثبات النبوة، وانظر إلى حالهم تارةً يجمعون طلباتهم كما فعلوا في سورة الإسراء والفرقان وغيرهما، وتارةً يفرقونها كما هنا. والطلب الثاني الذي طلبوه من رسول الله: { وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } وقال في سورة الفرقان: { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا } وبيّن له هناك فقال: { يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا } وهو قريب من ما قاله هنا { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ } لأن الملك سيأتي لقبض أرواحهم وإنهاء حياتهم، والدليل { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } أي لا يعطون مهلة ولا يمد لهم في حياتهم. ثم بين أنه لو أنزل ملكاً فأمامه أحد خيارين: إما أن ينزله على صورته الملكية فيخافه الناس كما سبق الإشارة في سورة الفرقان، أو يرسله على صورة رجل فيقول المعارضون هذا رجلٌ وليس بملكٍ فكيف يستطيعون أن يتأكدوا أنه ملك وليس برجل، ما أجمل القرآن حين يصرح بالحجة ويلمح إلى ضعف دليل الخصم وأنه لا يستطيع أن يـتأكدوا من حصول ما طلبه لعجزه عن إقامة الدليل علينا، اسمعه يقول: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } يعني لو صيّرنا الرسول ملكاً لصيرناه ملكاً على سورة رجل فيختلط الأمر عليهم ولا يدرون أهذا الرسول ملك أم بشر، يتحيرون في أمره ولا يصلون إلى اليقين فيه، فيلتبس الأمر عليهم، هذا حال المكذبين فهل من يعتبر؟؟ { وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ }يقسم الله أن أقواماً مروا على هذه الأرض وأرسل الله إليهم رسلا فسخروا بهم ولم يسمعوا لهم وعادوهم فنزل بهم العقاب الذي أشار إليه قوله: { فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم } أي أحاط بهم العذاب الذي سخروا منه فأهلكهم الله كما أهلك من قبلهم، فإن أردتم الدليل فاطلبوه في الآفاق، { قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } الذين كذبوا رسل الله وأعرضوا عن منهجه واستخفوا بالرسالات، إنه الهلاك الذي أصابهم كقوم نوح وهود وصالح وغيرهم، كيف تنوّع العذاب بتنوّع الكفر فاعتبروا يا أولي الأبصار، فاللهم وفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة