الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ما لم يرد في الإنجيل  
سورة المائدة   الآيات 109 - 120


بعد أن بيّن أحكام الوصية في السفر وختمها بقوله: { وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }، ناسب أن يبحث فيما يكون في ذلك اليوم العظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين فقال: { يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } العامل في "يوم" محذوف تقديره اذكر يا محمد أو يا أيها القارئ للقرآن ذلك اليوم وتفكّر به، والغرض من السؤال إقامة الحجة على المخالف، ماذا أُجبتم؟! { قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا }، نفوا عن أنفسهم العلم وجعلوا العلم كلَه لله، { إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } تمهيداً لسؤال عيسى سؤالاً يبكّت فيه عابديه، {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ } بدأ بالتشريف فقال: { اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ } العامل في "إذ" في الموضعين: الأول قال، وفي الثاني "أيدتك" ويمكن أن يكون أذكر في الموضعين، ويعّدد نعم الله على عيسى بدءاً بأولها { إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ } الروح الطاهر إما أنه الوحي يطهّر الناس من الشرك والكفر، أو جبريل يؤيد المسيح وينصره، وسميّ روح القدس لأنه طاهر مطهِر، { تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ } وقد سبق بيان ذلك في آل عمران وسيأتي له مزيد في مريم، { وكهلاً } فيه إشارة إلى نزول المسيح آخر الزمان لأن رفعه كان قبل الكهولة أو كما يقولون لم يتكهّل قبل أن يرفع فنزوله يحقق ذلك، { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ } الكتاب إشارةٌ إلى الوحي المتلو والحكمة إشارة إلى الوحي غير المتلو والتوراة والإنجيل تفصيل بعد إجمال، فذكر الكتاب يشمل التوراة والإنجيل وعندما يأتي المسيح آخر الزمان سيدخل فيه القرآن لأن المسيح آخر الزمان يتّبع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن يموت فيدفن في القبر الرابع خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم ذكر بعض معجزاته { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي } إقترحوا عليه أن يخلق لهم الخفاش لأنه الطائر الوحيد الذي يولد ولادةً ولا ينقلب عن بيضٍ، والفرق بين ما يخلقه المسيح وبين ما يخلقه الله أن الله يصوّر المخلوق في الأرحام ويخلقه خلقاً من بعد خلقٍ في ظلمات ثلاث، والمسيح كان يخلق الخفاش على الأرض وينفخ فيه ويقول:"كن طائراً بإذن الله فيكون"، والفرق الثاني أن ما يخلقه المسيح بإذن الله يتحرّك ما دام يُرى فإذا لم يره أحد سقط، { وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ } الأكمه هو الذي خلق بلا أعين، { وَالأَبْرَصَ } هو المريض مرضاً يغير لون جلده، { بِإِذْنِي } بإذن الله يمسح عليه فيشفى، فهذه معجزتان إثنتان، { وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي }يأمر الميت أن يحيى بإذن الله فيحيى وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى مذكور في الإنجيل، أما الخلق من الطين فلم يذكره الإنجيل ولا أشار إليه، ثم قال: { وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } هذا دليل من القرآن أن يداً لم تمتد إلى المسيح بسوء وأن ما يدعيه اليهود من صلب المسيح وقتله لا صحة له لأن قوله { كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ } منعتهم من الإساءة إليك، وهو عام بكل إساءة { إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } اي وقت جئتهم بالبينات { فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } سموا المعجزات التي ايده الله بها سحر واضح وهي أبعد ما تكون عن السحر، { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } وقد سبق بيانه في آل عمران والفرق ان هنا أكد الخبر بأننا مسلمون. وبعد أن بيّن أهم المعجزات التي أيد بها رسوله عيسى ابن مريم، ناسب أن يذكر طلباً غريباً من تلاميذه لم يشر إليه الإنجيل لا من قريب ولا من بعيد، وفي وقوعه خلاف بين علماء المسلمين سأبينه في موضعه، { إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء }طلبوا أن يُنزل عليهم مائدة ولا تكون المائدة مائدةً حتى يكون عليها طعاماً هكذا ذكرها القرآن، { قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } رد للصدر على العجز وقد صرحوا بالإيمان واستشهدوا الله على إيمانهم واستسلامهم فمن يكون حاله كذلك لا يطلب دليلاً لذلك كان قول المسيح مناسباً لسؤاله، وقوله: { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، كأنه قال إن كنتم مؤمنين فلا تطلبوا هذا الطلب العجيب، { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ } بينوا سبب طلبهم المائدة فذكروا أربعة أشياء: الأكل ليتأكدوا من الأمر ويتيقنوا منه فتطمئن قلوبهم حين يجتمع لهم النظر والأكل، ويعلموا علماً يقينياً أن المسيح صادق ويكونوا عليها من الشاهدين، لما برروا طلبها دعا المسيح { قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } فلما دعا المسيح بهذا الدعاء وتضرع إلى الله: { قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ } أخبر الله المسيح أنه سينزل المائدة على شرط أن من يكفر بعدها سيعذبه الله عذاباً لا يعذبه أحداً، فيمسخهم قردةً وخنازير فاستقالوا وقالوا لا نريدها خوفاً من العذاب، فاختلف أهل التأويل هل نزلت المائدة؟ فمن قال أنها نزلت استدل بالجملة الخبرية المؤكدة { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } وقالوا في وصفها إنها سمكة كبيرة بجانب رأسها ملح وبجانب ذيلها خل ومعها خمسة أرغفة، ولعل من أراد ذلك يستعير من قصةٍ وردت في الإنجيل أن المسيح أطعم من سمكتين وأرغفةٍ عدداً كبيراً من الناس، ووصفوا ما على الأرغفة تفاصيل لم يدل عليها القرآن ولا ألمح إليها وقالوا إن المائدة تكرر نزولها مدة أربعين يوماً، وقالوا من أكل منها إن كان فقيراً إغتنى وإن كان مريضاً شفي، وقالوا إن الله امر في آخر فترة أن يطعم منها المرضى دون الأصحاء فغضب بنو اسرائيل.هكذا القصص تكبر وتتشعب ويزاد فيها أو ينقص منها والنص القرآني لم يتعرض لشيئٍ من ذلك بل سكت عن الموضوع، وصفوة القول أني أتوقف في نزول المائدة أو عدم نزولها وأمسك عن ذكر ما كان عليها من طعام وعن المعجزة التي طلبوها من المسيح أنه قال للسمكه إحيي فتحركت ثم قال عودي كما كنت رجعت مشويةً والله أعلم بالصواب. أما السؤال الثاني الذي سأله الله لعيسى ابن مريم فإليه الإشارة بقوله: { وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ } سأله هذا السؤال يبكّتَ عابديه، وقد سبقت الإشارة إلى أنه ما صح لبشرٍ أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة فيدعو الناس إلى عبادة نفسه ويترك الله الذي أعطاه، والنصارى يعبدون المسيح ويعبدون أمّه يتوسّلون بها إليه ويطلبون شفاعتها، وكثيراً ما يجعلون العذراء سيّدة البلد.أنكر المسيح هذه المقولة جملةً وتفصيلا ونزّه الله أن يقول شيئاً ما صح ولا استقام له أن يقوله، { قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } إن المسيح يعرف قدر نفسه وأنه بشر وقرر ذلك في المهد حين تكلّم مع قومه وقد اتهموا أمه فبرّأها، قال فأنا لم أقل شيئاً من ذلك ولو حصل مني شيءٌ علمتَه { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } فبيّن الدليل الذي يثبت براءته من هذا القول، وأتى بالدليل الحسيّ على ذلك { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، تعلم علمي ولا أعلم علمك، وأغرب بعضهم فأثبت لله نفساً من هذه الاية، وإنما أطلق النفس وأراد ما فيها، والسياق والسباق في بيان علم الإله وضعف المسيح، ويدل على ما قلت تذييل الآية { إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } فعلم الله لا يدركه أحد ولا يبلغه أحد، فلو حصل وقال المسيح شيئاً لعلمه الله حتماً، بل نُقل عنه ما ينافي هذا في الأوقات العصيبة حين قال:"إلهي إلهي لماذا تركتني"، وأياً ما كان فالنصارى متمسكون بقول الرسول بولس لا يعدلون عنه ولا يقبلون غيره. ثم بيّن قول المسيح لقومه حين كان بينهم قبل أن يرفع أو بعد عودته إلى الدنيا فقال: { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } أي لم أقل لهم إلا الحق الذي أوحيتَ به إليّ وأمرتني أن أبلغهم أياه وقد فعلت، { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } أي راقبتهم وراعيتهم ما دمت حاضراً في حياتهم، والمتتبع لسيرة المسيح عليه السلام يجده مثالاً للشاب التقي الحريص على الحق الداعي إليه الساهر على تطهير المعبد من ما أدخله اليهود فيه من المحرمات. { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } أي نقلتني إلى العالم الآخر وهذه الموتة لم تحصل بعد عند المسلمين على ما قدمتُ قبل آيات وستأتي، أما التوفي المذكور في سورة آل عمران فالمراد به النوم أو الوفاة على خلاف بين أهل التأويل. { كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أنظر كيف يعلم القرآن الناس الأدب مع مخالفيهم واسمعه يقول: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } تفعل بهم ما تشاء لك الخلق والأمر، { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الغالب الذي لا يغلب محكم القول والفعل والتدبير لايخلو فعلك عن حكمة، أقر بالحق وأجاب عن ما سُئل بصدقٍ وأوكل الأمر إلى الله الغالب الذي لا يغلب الحكيم الذي عمّت حكمته جميع أقواله وأفعاله. وهنا يعيدنا القرآن إلى أول الآيات { يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ } فيقول { قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } ولا شك أن من الصادقين وعلى رأسهم الأنبياء والرسل وخاصةً أولي العزم منهم المسيح عليه السلام، لذلك وعدهم بأكرم جزاء فقال: { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } رضي عنهم فأثابهم على أعمالهم الصالحة ورضوا عنه بما أقر أعينهم فيه من النعيم الدائم في جنة الخلد التي لا فوز أكبرُ من الفوز بها، وختم السورة بما يدل على كمال القدرة وعظيم السلطان { لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومن جملة ذلك خلقُ آدم من تراب وخلق حواء من آدم وخلق المسيح من امرأة وخلق البشر من رجل وامرأة، تماما على القسمة العقلية فتطابق العقل والنقل وثبت أن المسيح رسول وليس إله ولا ابن إله، ولا أريد أن أصحح عقيدة النصارى ولكني ألفت نظرهم إلى حقائق علها ترفعهم أو تقيم عليهم الحجة، فاللهم وفقنا لقول الحق والدعوة إليه والعمل به.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة