الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين يدي الوصية في السفر  
سورة المائدة   الآيات 97 - 108


عاش العرب قبائل متفرقين في جزيرة العرب، فكانوا بحاجة إلى من يضبط حركة الحياة عندهم فلا ملك يهابون ولا من يطيعون، ولو تركهم الله وما يريدون لأفنوا أنفسهم، لكنّ حكمة الإله تقتضي خروج محمدٍ صلى الله عليه وسلم منهم نبياً فيهم، فلا بد من المحافظة على حياتهم وبقائها، وإذا أراد الله أمراً سبب له الأسباب فحفظ الله حياة العرب بثلاثة أشياء كان بها قيام حياتهم وبقاؤهم إلى أن بعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم.
يمتن عليهم فيقول: { جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ } جعل هنا بمعنى صيّر مفعولها الأول الكعبة والثاني قياماً للناس، فحفظ الله حياة العرب بالحرم الذي كانوا يعظمونه إلى درجة أن أحدهم لو رأى فيه قاتل أبيه ما روعه ولا أخافه، وسميت الكعبة كذلك لشكلها، والبيت الحرام يراد به المسجد فهو من باب عطف البيان، وكونها قياماً للناس تقيم حياتهم فتمكنهم من البحث عن الرزق ومن العمل والسعي في طلبه، ولما كانوا محبين للحرب حريصين عليها لا يخرجون من حرب إلا ودخلوا في أخرى، كان لا بد لبقائهم من وقت يمتنعون فيه عن القتال فكان الشهر الحرام، لذلك عطف على الجملة الأولى { وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ } أما الشهر الحرام فالمراد الجنس وهي أربعة: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، فكان القتال يتوقف فيها نهائياً، وأول مرةٍ حصل فيها قتالٌ في الشهر الحرام كانت يوم قتل عمرو ابن أمية الضمريّ الرجلين فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترتب على ذلك خلاف كبير إذ كان تعظيم الشهر الحرام حكماً لازماً في حياة العرب قبل ذلك، ومكّة صحراء لا طعام فيها فسهّل الله وصول الطعام إليها بدعوة إيراهيم عليه السلام { وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ } يشير إلى هذين: الهدي والقلائد، أما الهدي فما يهدى إلى فقراء الحرم من الحجاج والعمّار، والقلائد إما أن يراد بها ذوات القلائد وطبيعيّ أن يقلّد الهدي ليصل إلى مكة سالما، أو يراد به القلائد نفسها، فإن من أراد إهداء فقراء الحرم عقداً ثميناً من اللؤلؤ أو الجوهر ربطه في عنق البعير ليعلم كونه هدياً، فلا تمتد إليه يد ظالم، ولو حمله في متاعه لأخذ منه، حكمة بالغة جعل منها القرآن دليلاً على القدرة والعلم فقال: { ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فعلى العقلاء أن يخافوا منه ويهابوه فيطيعوه ظاهراً وباطناً رغبةً فيما عنده وخوفاً من عقابه { اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ثم رد العجز على الصدر فأكد على ما سبق من أن مهمة الرسول البلاغ والله وحده يحاسب عباده، لكن لم يذكر الحساب هنا مكتفياً بالتأكيد على شمول العلم وإحاطته { مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } وإذا كان كذلك فلا بد من أن يثيب المطيع ويعاقب العاصي، وعليه فالواجب السعي في الأعمال الصالحة وتجنّبُ غيرها. ولما كان الناس يستكثرون من أشياء ويرغبون في الكثرة بيّن لهم أن الكثرة إن لم تكن من الطيب فلا خير فيها، فالقلة من الطيّب خير من الكثرة من الخبيث، لأن الخبيث يذهب المروءة وينبت الجسم من حرام، ويسيء إلى الأخلاق والطباع، { قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ } المراد بالخبيث الحرام أو المستقذر والطيّب الحلال أو المستلذ، فما كان الحرام ليساوي الحلال ولا المستقذر ليساوي الطيب، { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ } وهذه تربية على الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة رتّب عليها وجوب تقوى الله بالفاء الفصيحة فقال: { فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ } اي يا اصحاب العقول بطلب الطيب والرغبة فيه وترك الخبيث والإعراض عنه وأنتم ترجون أن تنالوا ما ترغبون فيه وتفوزوا بمطلوبكم { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ثم أدّب المؤمنين بأدب رفيع وهو أن لا يسألوا عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } لأن الغيب مستور عنهم وقد يكون في كشفه إساءة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تسألوا عنها"، واستأنف فقال: { وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } ثم بين أن كثرة الأسئلة ترهق النبي وربما يعجز المكلف عن القيام بما فرض عليه، وأن على العاقل أن يعتبر بغيره فالسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه، { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ } ثم بيّن تلك الأشياء التي سألها من قبلهم من ما اخترعه أهل الجاهلية فقال: { مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } . الجمل يأكل كثيراً، فإذا كان فتياً عمل بما يأكل فاستفاد العربي من إطعامه، فإذا كبر وعجز عن العمل استخسر صاحبه إطعامه دون أن يفيد منه فيشقّ أذنه ويجعله وقفاً للأصنام يتركه يبحث عن رزقه ولا يتحمّل مسؤوليته، فالبحيرة والسائبة يسيّبان في الصحراء ليبحثا عن أكلهما، وبذلك يتخلّى صاحبهما من الإنفاق عليهما، وأما الوصيلة فهي الأنثى تكون في بطنٍ واحد مع الذكر فتصله فلا يذبح ويُبقى حياً، والحام هو البعير الذي يولد من صلبه عددٌ من البطون يقولون حما ظهره فلا يُركب ولا يُحمل عليه، يزعمون أن هذا وقفٌ، ليت شعري كيف يوقفون حيواناً ولا ينفقون عليه ولا يراعونه، بل يطلقونه في الصحراء يبحث عن طعامه وشرابه، ويشرّعون لأنفسهم ما لم يشرع الله ويكذبون على الله وأكثرهم لا يعقلون، ادبٌ راق يفسح في المجال للتوبة وحقٌ لا ريب فيه، إذ لو كانوا يعقلون لما أقدموا على هذا العمل، فإن جئت تدعوهم إلى الإيمان بالله وإعمال العقل في فهم الوحي المتلو وغير المتلو أتاك الجواب القديم الجديد، { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ } إرتفِعوا من حضيد الجهل والكفر والعناد وترقوا إلى الإيمان بما أنزل الله من القرآن والسنة وسارعوا إلى الرسول تؤمنون به وتحكمونه وترضون بحكمه، يأتيك الجواب { قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا } يكفينا أن نقلّد آباءنا ولسنا بحاجة إلى شيء جديد، فأجابهم القرآن جواباً مفحماً واضحاً { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } الهمزة داخلة على محذوف هو المعطوف عليه والواو للعطف كأنه قال أتتبعون آباءكم الجهلة الأغبياء الذين لم يُعملوا عقولهم فيما يروا ولا يتوصلون إلى الحق بدليل، ولما ذكر الحديث عن المشركين وكان العربي يسافر كثيراً أدّب الله المؤمنين بأن يكونوا على حذر من مخالطة الناس ولا يرهقوا أنفسهم بإصلاح من لا يريد أن ينصلح، أدّب المؤمنين فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ } أي الزموها بالإصلاح قبل أن تدعوا الاخرين أو حيث لا تنفع دعوة الاخرين، وبيّن ان إثم المعصية وشؤمها يقع على العاصي دون غيره فقال: { لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } فلا ترهقوا أنفسكم بإصلاح المتمسكين بباطلهم الحريصين عليه، فالله وحده هو الحكم الفصل، { إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } يثيب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته، ثم نادى المؤمنين بعنوان الإيمان يبيّن لهم حكم الوصية بالإشهاد في السفر فقال: { يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } يعني الشهادة فيما بينكم وقتها { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ } بيّن أن وقت الإشهاد يكون عند مقدمات الموت من مرض مخوفٍ أو حكم بالقتل، وحدد وقت الوصية بالظرف "إذا" وبيّنه بقوله { حِينَ الْوَصِيَّةِ } ثم قال { اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ } أمر بإشهاد عدلين من المسلمين، فإن لم يكن في البلد مسلمون { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ } فيُستشهد رجلان من غير المسلمين ومعنى { ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ } اي سافرتم { فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ } إن كان الشاهدان مسلميْن عدلين فشهادتهما مقبولة، فإن لم يكونا فيجوز إشهاد غير المسلم على الوصية في السفر، ووضع لذلك نظاماً تشريعياً خاصاً لم يُسبق إليه في ضبط الشاهد وإلزامَه أن يقول الحق كل الحق ولا شيء غير الحق، فغلّظ على الشاهد في الزمن فقال: { تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ } أي تمنعون إبتعادهما حتى تستحلفوهما، والمراد بالصلاة صلاة العصر لأنها تؤذن بنهاية اليوم وتُلمح إلى نهاية الحياة { فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ } وهذا من باب التغليظ ليردع الحالف فلا يكون خائناً في حَلفه، ولحماية ورثة الميت إذا ثبت لديهم خيانة الشهود، أذن الشرع لهم بأن يحلف إثنان منهم ويستحقان ما اتهما به الشهادين، { فَإِنْ عُثِرَ } أي ثبتت خيانة على الموصى اليهم أنهما كتما أو غيرّا { أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ } أي يقوم رجلان من أهل الميت بالحلف على القضية التي ثبت خيانة الموصى إليهم فيها، وبيّن نص القسم فقال: { فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ } وبهذا حفظت الآية الحقوق ومنعت التعدي فاستحق ان يمدح نفسه على محكم تشريعه فقال: { ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } يعني على حقيقتها وكما هي { أَوْ يَخَافُواْ } "أو" بمعنى الواو، { أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ }، وذيّل الاية على عادته بما يربط الإيمان بالعمل والتقوى فقال: { وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }لأنهم فاسقون، تشريعٌ محكم يحقق العدل فاللهم وفقنا لقبوله والعمل به.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة