الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أمِن حق المدعويين إختيار المعجزة  
سورة الأنعام   الآيات 108 - 127


بين في الآيات السابقة الأدلة على وجوب طاعة الله والتزام شرعه، ناسب أن يؤدب الناس فلا يسيئون إلى غيرهم، واستعمل نوعاً من الفقه، المجتمع بحاجة إليه يحافظون فيه على حسن العشرة مع بعضهم ويسدّون الطرق الموصلة إلى الخلاف، فكان أول ما بدأ به النهي عن سبّ الأصنام لأن فيه استفزازاً لعابديهم فقال: { وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ } استخدم الإسم الموصول لأن في المعبودين عقلاء، والإسم الموصول لصيغ العموم، وقد اعتاد العرب قبل الإسلام عبادة الأصنام، فنهى عن سبها لأنه قد يُتخذ ذريعة لسب الله عز وجل، لأن الآخر غير عالمٍ بما يجوز في حقه تعالى وما يجب وما يستحيل، لذلك جعل جواب النهي { فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي يسبون الله متجاوزين الحد في تعاملهم لأن الجاهل قد يتطاول بسبب جهله، فأحرى بنا أن لا ندفعه إلى التطاول بأيدينا إذا عرفنا طبيعة حاله ورد فعله، { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } نسب التزيين لنفسه لأنه خالقٌ للناس وخالقٌ أعمالهم بناءً على رغباتهم، وأخبر أنه سيحاسب كلاً على عمله فيجزيه بما يستحق.
ثم أورد قولاً للمشركين موثقاً بالقسم المغلظ فقال: { وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا } يبدو أنهم يطلبون آيات معيّنة ذكر بعضها في هذه السورة والبعض الآخر في غيرها، { قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ } أي بيده وقدرته ومشيئته، ولما تشوّف المسلمون أن يجيب الله دعاءهم، لفت القرآن نظرهم إلى أنهم لا يعلمون ما يحدث بعد مجيء الآيات أيؤمنون أم لا، وإذا لم يؤمنوا فما يكون مصيرهم، فعلى العاقل أن لا يطلب شيئاً لا يدري عاقبته ولا يعلم أهو خيرٌ أو يؤدي إليه، وأن يكل الأمر كله لله، من هنا جاء قوله: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } كأنه قال لهم من أين تعلمون أن الآية إذا جاءت يؤمنون بها أو لا يؤمنون، فالله مقلّب القلوب والأبصار أيوفقهم للإيمان أم يخذلهم، وإذا خذلهم فماذا يحدث لهم خاصةً وقد رأيتم مثل ذلك فيما مضى { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } فأول مرة طلبوا آية ولم يؤمنوا بها، شقّ لهم القمر نصفين فلم يؤمنوا، ما يمنع أن يفعلوا مثل ذلك إذا أجابهم لما طلبوا، فهم متمرسون في الكفر متمسكون به مقبلون عليه قد أعماهم الكفر عن النظر الثاقب وإعمال عقولهم فيما يرون، و"العمه" عمى البصيرة فهم يسيرون على غير هدى قد عميت بصيرتهم فلا يميّزون، ثم كشف للمؤمنين حالهم ومآلهم فقال: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً } أي آتيناهم جميع ما طلبوا من الآيات واضحةً جلية كما طلبوا { مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ } فإن شاء إيمانهم آمنوا بمعجزة أو بغير معجزة، وإن لم يشأ لم يؤمنوا ولو أتاهم بجميع ما طلبوا من معجزات، وما ألطف القرآن وأحناه على المخالف حين قال: { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } ففسح في المجال وفتح باب التوبة وأعطى الفرصة للإعتذار، ثم بين الموانع التي تمنع الناس من الإيمان فقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } يزيّنون الباطل ويحسنونه يقوم بذلك شياطين الجن لشياطين الإنس وشياطين الإنس لبعضهم، فيحسنون الباطل ويجمّلونه ويغرون به السذج، فيغرّونهم ويوقعونهم في حبالهم، ولما كان جميع ما في الكون بمشيئة الله لأن الله يريد ويأمر ويأمر ولا يريد ويريد ولا يأمر قال: { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } أي ولو شاء الله إلجام الشياطين ومنعهم من الوحي لأوليائهم سبل محاربة رسل الله { مَا فَعَلُوهُ } ولكن لم يشأ ذلك لما قدمتُ من الأسباب، فوجّه الخطاب إلى النبي قائلاً:} فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } أذن لهم أن يفعلوا ذلك ليتبيّن صدق الصادق وخداع المخادع، فتظهر الأمور على حقيقتها ويتبين الناس لكل أحد، وتكون للفسقة فرصة إختيار الفسق وسماع الباطل والدعوة إليه { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ }، إن الله أراد من الخلق أن يكونوا عبيداً بالإختيار يحكّمون شرع الله في أنفسهم، في أهليهم، في مجتمعهم بإختيارهم ورغبتهم لا يريد أن يجبرهم على شيء وكذلك لم يسمح أن يتسلّط أحد من خلقه على أحد إلا في حدود الشرع كما سبق وأشرت إليه، فالله وحده الحكم العدل واجب الطاعة والإنقياد لحكمه { أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا } أحكّمه وأرضى بحكمه، والحال { وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً } واضح الدلالة بين الحجّة { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } يعني اليهود والنصارى { يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } إما بالبشارات والإشارات الواردة في كتبهم أو لأن القرآن يؤكّد على ما ثبت في الكتب السابقة من أصول الإيمان، وإذا كان القرآن منزّل من الله بالحق فينبغي الإيمان به ولا يجوز الشك بحالٍ، لذلك نهاه أن يشكّ فقال: { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } ثم بيّن كمال نعمته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإكمال الدين وإيضاح الحق وتثبيت المسلمين فقال: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً } فالمسلمون تحملوا أعباء كثيرة وصبروا وصابروا إلى أن بلغ الدين كماله ونصرهم الله في العاقبة، { لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } قوله حق وفعله نافذ وأمره واجب الطاعة لأنه لا يأمر إلا بخير ولا يدعو إلا لفضيلة، أما الخلق فقال في حقهم { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } فحذّر من اتباع الأكثرية لأننا نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال فمهما كان الرجال متبعين للحق مقبلين عليه راضين بحكمه فهم يدعون إليه، لكنّ أكثر الناس ليسوا كذلك وفي هذا ردٌ على نظرية الأكثرية والديمقراطية، فالإسلام إعتمد أهل الحل والعقد وهم العلماء والفضلاء يرعون أمر العامة فيصلحون أخلاقهم واجتماعهم ويبنون ذلك على الأدلة القاطعة والبراهين المقنعة، وأما الأكثرية فيبنون أحكامهم على الظن والوهم وما كانت الحقائق لتبنى على الوهم وتثبت عليه، { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } فاتباع شرعه يحقق السعادة ويصوّب المسار ويقوّم السلوك ويحدد الواجبات ويبين الحقوق، واتباع الهوى يفسد العلاقات ويسيء إلى الناس يفتت المجتمع ويفرقه، ولما كان الناس بحاجة إلى ما يقيم أوَدهم ويحقق لهم الأمن الجسدي ناسب أن يأمرهم أن يأكلوا من الذبائح التي ذبحت على اسم الله لا على اسم غيره من بشرٍ أو صنم فقال: { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ } أمر الله عباده أن يأكلوا من ما ذكر اسم الله عليه، وفي ضمن ذلك نهيٌ عن أكل الميتة وما ذبح على غير اسم الله، وقوله: { إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ } جملة شرطية حذف جوابها بدلالة ما قبله عليه، ثم أكّد مفهوم الآية الأولى على طريق الإستفهام التقريري فقال: { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ } ما الذي يمنعكم من ذلك مع أن الله قد بين لكم بياناً شافياً الحلال والحرام، { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } فقد بين الله الحلال والحرام بياناً شافياً وافياً، فما الذي يمنع الأكل من الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، كأنه يؤكد على مفهوم الاية الأولى، ثم بيّن أن اتباع الهوى سبب تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرّمه، وساق ذلك مساق الخبر فقال: { وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني بغير دليل قطعي منقول أو معقول، ثم ختم الاية { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } وإذا كان الأعلم فلا بد أن يحاسبهم ويعاقبهم على افتراءآتهم، ثم انتقل القرآن إلى وصيةٍ جديدة تتعلق بالمعاملات الإجتماعية فقال: { وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ }ظاهر الإثم هي الأعمال الظاهرة التي توقع الإنسان في الحرام فتجعله يرتكب الإثم، والنهي عنها نهي عن تعاطي أسبابها، وباطن الإثم هي الأمور الخفيّة التي قد لا يدركها المكلف إلا بعد تفكر، وقد يكون من ظاهر الإثم الزنا وشرب الخمر ومن باطنه إتخاذ الأخدان، والآية في الجملة نهت عن تعاطي المحرمات بعامة وأوعدت على ذلك { إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } وهذا وعيد ما فوقه وعيد لمن يعقل القرآن ويتفهم معانيه فيبتعد عن جميع الأمور التي توقع في الإثم، ثم عاد أدراجه إلى التحذير من أكل الميتة بأسلوب آخرَ فقال: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ } وهو قسمان: قسم لم يذكر عليه شيء ومات حتف أنفه، وقسم ذكر غير اسم الله عليه، وكلاهما محرم أكله شرعا، أكّد على هذه الحقيقة بقوله: { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } خروج من دائرة الإيمان إلى دائرة المعصية، ولما سأل المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عن الميتة من قتلَها فقال: "الله" فقالوا عجباً لك ما يذبح الله بسكين من ذهب تقول حرام أكله، وما تذبح بحديدة تقول حلال أكلها، فرد عليهم مقالتهم بأن هذا أسلوب شيطاني، أي من تزيين الشياطين وحذر من طاعتهم { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } فبيّن لهم أن طاعة أولياء الشيطان وطاعة الشيطاني تعيد الإنسان إلى حاله قبل مجيء النبي، ثم ضرب مثلا للمؤمن والكافر، فالمؤمن يعرف ما يريد ويسعى لتحقيقه والكافر لا يعقل شيئاً ولا يفهم شيئاً، شبهه بالميت العاجز الذي لا عمل له، يدخل القبر ولا يخرج منه إلاّ يوم القيامة، بخلاف المؤمن يتحرّك هنا وهناك ينشر الخير في المجتمع، يصوّب مسير الناس ويسددهم فقال: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا } الهمزة للإستفهام والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، يمكن تقديره "أمن كان ميتاً يتساوى ومن كان ميتاً فأحييناه"، والإستفهام للتقرير أو للنفي، على أن القرآن صرح بالقسيمين فقال: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا }، فالمؤمن تحرر من الجهل والكفر وعبادة الطاغوت، عرف الحق ونشره ونصره ووقف إلى جانبه، والكافر في ظلمات الجهل والكفر والهوى واتباع الشيطان، فإن خرج من ظلمة دخل في أخرى، لذلك قال: { لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } ولأنه اتبع هواه وما زيّنت له نفسه استحق أن يُذم { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي مثل ذلك التزيين زين للكافرين ما كانوا يعملون فظنوا الباطل حقا والهوى شرعا لأنهم خاضعون لمكر أكابر المجرمين، { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } فأكابر مجرمي مكة مكروا بأهل مكة وضعافها فكان عاقبة مكرهم عليهم، ونصر الله الحق وأعز أولياءه فما عرفوا ذلك إلا بعد فوات الأوان، ثم ذكر مثلاً من مكرهم فقال: { وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ } أرادوا أن يخصهم الله بالمعجزات أو بالوحي، المهم أن يحرضوا الناس على النبي ويصرفو ضعاف العقول عن الإيمان، لكن القرآن كان أقوى منهم، فرد مقولتهم من طريقين: أما الأول فقوله: { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }، فالله وحده يعلم من يستحق أن يكون رسوله ويشرفه بالوحي إليه وتأييده بالمعجزات، والثانية وعيد المكذبين أو المجرمين { سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } وبهذا صدق الله حين قال: { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }، ثم قال: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ } إن الإنسان في هذه الحياة يعيش بين نعمتين من نعم الله: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، فمن يرد الله قدراً أن يهديه لأنه علم أن نفسه طيبة وأخلاقه كريمة وعمله محموداً يشرح صدره للإسلام فينير قلبه ويفسح في صدره بتعاليم الإسلام فيقبل عليه ويعمل بما يوجبه ويترك المحرمات طيّب النفس مقبلاً، { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } قدراً لأنه علم أن نفسه خبيثة وأنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، فلا يشرح صدره للإسلام بل { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء } مثلٌ رائع ضربه الله لحال من يكذّب بالإسلام ويعرض عنه، فيه أكثر من تأويل: يجعل صدره ضيقاً أي لا ينفسح بذكر القرآن على حد قوله { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ } فهذا يضيق صدره لسماع داع الحق ويتضرر من سماعه ويتحرج أن يقال عنه أنه مسلم شأن كثيرٍ من الناس في أيامنا هذه حين يسمعون بعض ما يُقال عن الإسلام زوراً وبهتانا فيتبرؤون من الإسلام بدل أن يبرؤا الإسلام مما ألصقه به الأعداء زوراً وبهتانا، ولهذا مثّل في الحياة هو أن الذي يصعّد في السماء على معنى أن السماء ما علاك، فإذا علا الإنسان ضاق نفسه أو صعب عليه التنفس، أو يكون المراد بيصعّد بالسماء أي يطلب المستحيل لأنه استقر في أذهان العامة أن بلوغ السماء أمر غير ممكن، وإن ما حملهم على ذلك بعدُ الشُقة وفقد الوسيلة، وضيق صدره هذا ضيق بالحق وإعراض عنه يفهم من قوله: { كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } فلأنهم لا يؤمنون لا يقبلون على الإسلام ولا يفرحون به ولا يسعدون بسماع أخباره، بل يضيقون به ذرعا مع أن الإسلام واضح المعالم بيّنُ الحجج موافق للفطرة مخالف للهوى مصداق ذلك { وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فمن أراد الحق وصل إليه بتعلم الإسلام، ومن أراد الفوز والفلاح فليطبّق تعاليم الإسلام، فالإسلام ثابت الأصول مرن التطبيق وهو أقرب طريق موصلة إلى الجنة { لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ } هي الجنة أضافها إلى نفسه لأن من أسماءه السلام أو لأنها دار يعم فيها السلام، فالخلق يسلّم بعضهم على بعض والملائكة تسلّم على الداخلين، والتحية بين أهل الجنة السلام، { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا }، لأنهم ثبتوا على الطاعة طول حياتهم والتزموا المنهج وخضعوا لله ظاهراً وباطنا فاستنصروا به ونصروه { وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }. يتضح بما تقدم أن من حق المدعويين أن يؤيَد الرسول بمعجزة تدل على صدقه، وليس من حقهم أن يتخيروا نوع المعجزة ولا صفتها ولا حقيقتها، وليس من حقهم أن يثقلوا كاهل الرسول بترددهم وتشكيكهم برسالته، وإنهم إن لم يؤمنوا بآية فهم المسؤولون لا أحد غيرهم، أما أن يفعلوا مثلما فعل أهل مكة مع رسول الله ويضيّقوا عليه الخناق ويُجهدوا أنفسهم في مضايقته فذلك تعدٍ على الرسالة وتطاول على منصب الرسول، فعليهم أن يحترموا هذا المنصب ويقبلوا دعوته لأن البراهين التي قدمها دحضت جميع شبههم، لم يبق لهم إلا الهوى والهوى ما تولى يصمِ أو يَصمِ، فاللهم جنبنا الهوى ووفقنا لقبول الحق وسدد خطانا على طريقه.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة