الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أقدروا الله حق قدره !!  
سورة الأنعام   الآيات 91 - 107


ما أقل حياء اليهود وما أقسى قلوبهم، يكذبون الكذبة ثم يصدّقونها وإذا وقعوا في المحظور عجزوا عن التخلص منه، وأول كذبة كذبوها على الله قدّم لها بقوله: { وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } لم يعرفوا حقه عليهم وواجبهم تجاهه، فأنكروا النبوة من أساسها، وتجلى ذلك في قوله: { إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ } "ما" النافية و"بشر" "وشيء" نكرات، والنكرة في سياق النفي تعمّ، ومعنى هذا الكلام الذي أرادوه إن الله لم ينزّل على محمد شيئاً، وهو في الحقيقة إنكارٌ لجميع الرسالات والنبوات، ووقت أن قالوا هذا القول كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام، وموسى بشر والتوراة كتاب لذلك ترى القرآن يردّ الحجة بدليل قطعي يفحمهم { قُلْ } يا محمد صلى الله عليه وسلم إعراضاً عن مواجهتهم وتشريفاً لرسوله صلى الله عليه وسلم، والسؤال الذي طرحه عليهم { مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا } أليس موسى بشراً ؟ أليست التوراة منزّلةً من عند الله ؟، فإذا كان الله أنزل التوراة على موسى فقد أنزل القرآن على محمد، وإذا لم ينّزل القرآن على محمد لم ينزّل التوراة على موسى، فالجهة واحدة والحكم واحد.
وقد منّ الله على اليهود { وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ } فالله أكرم اليهود بأنبياءٍ متعددين قتلوا بعضهم وكذبوا الآخرين، والجواب الطبيعي أن يقولوا "الله"، لم يمهلهم حتى يجيبوا بل أمر رسوله أن يجيب { قُلِ اللّهُ } أي الله هو الذي أنزل القرآن على محمد والإنجيل على عيسى والتوراة على موسى والصحف على إبراهيم والزبور على داود، ثم أمره بالإعراض عنهم وتركِهم في غفلتهم { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } لأن أعمالهم تشبه اللعِب: لا فائدة منها ولا ثمرة لها لا في الدنيا ولا في الاخرة، وواجب عليهم أن يؤمنوا بالقرآن لأنه يصدّق الكتب التي قبله وأن يستجيبوا للإنذار لذلك قال: { وَهَذَا كِتَابٌ } هو القرآن الكريم { أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } كثير الخير لا يخلَق على كثرة الرد، { مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } يصدّق النبي ويدل على أنه رسول الله فأسلوبه وأخباره وتشريعاته وقصصه شاهدة له بأنه تنزيل من حكيم حميد، { وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } أمّ القرى مكّة وهي الأساس لأن فيها البيت الحرام، وإليها يتوجّه المؤمنون خمس مرات، فيها ولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها هاجر، وأراد بمن حولها أي العرب لأنهم أهل اللسان والأعلم بالحلال والحرام والأجدر باتباع حدود ما أنزل الله { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ } إن كل من آمن باليوم الاخر يؤمن بالقرآن لأنه يدلل عليه ويبيّن ما فيه، وترجموا هذا الإيمان إلى عملٍ مثمر ينفعهم في عاجلهم وآجلهم { وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } لأنها عماد الدين تصل الإنسان بربه فتنقل الإيمان من حاشية الشعور إلى مركز الشعور فتستقيم الأخلاق وتتضح الرؤية، ثم بيّن كذباً من نوع آخر أدى إليه خيالٌ مريض أو نتيجة لعب الشيطان بصاحبه، فبيّن بطلانه على طريق الإستفهام التقريري فقال: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ } هذه الايات تذكرنا بقصة رجل لعب به الشيطان:كان من كتبة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا نزل عليه قوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ } الآيات التي تصف تطور الإنسان في رحم أمّه والمراحل المختلفة التي يمرّ بها تكوينه إلى أن قال: { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } قال في نفسه { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } قال صلى الله عليه وسلم: "اكتبها" قال: ما أكتب؟؟ قال هكذا أنزلت، لعب به الشيطان فقال: إن كان محمد صادقاً يوحى إليه فأنا يوحى إليّ، وإن كان كاذباً يخترع كلاماً من عنده فأنا أستطيع أن أقول كلاماً ككلامه، وارتد وترك المدينة وقصته معروفة لا أطيل بذكرها ههنا، وفي آخرها أنه أسلم وتاب وحسُن إسلامه وساهم في الفتوحات الإسلامية. هكذا إذا غفل الإنسان عن الله تسلّط عليه الهوى فيهوي به في نار جهنم، لذلك تراه يكمل الآية بكلمات يقشعر لها الجلد ويخضع لها القلب وتعيد الإنسان إلى الإيمان من أقرب طريق، لفت نظره إلى حال الكافر عند الإحتضار فقال: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } يقول لهم ملك الموت هذه المقولة فتتفرق أرواحهم في أجسادهم فيسلّها الملك من أجسادهم كما يسلّ الصوف من الشوك، ما أقسى هذه العبارة، وما أشد وقعها على المحتضر خاصةً حين يبشّره الملك بما أُعد له من عذاب، { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } لأنهم ظالمون فعلة الحكم ظلمهم أنفسهم أو ظلمهم إخوانهم أو ظلمهم عقيدتهم، واستكبارهم عن الخضوع للحق وتعاليهم عن الإيمان بآيات الله، ثم يتابع وصف مسيرهم إلى الآخرة فيقول: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ } تركوا المال والجاه والسلطان، تركوا كل شيء وعادوا كما أتوا، تركوا حتى معبوداتهم الذين زعموا أنهم شفعاؤهم، لأن العلاقة انقطعت ولأن المعبودين تركوهم وقدرهَم، { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } الشركاء ذهبوا بحالهم لم يجدوهم في وقت الحاجة إليهم، فانقطعت العلاقة بين الفريقين وانتهت القصة بخلودهم في جهنم. ولما كان هدف القرآن دعوة الناس إلى الحق وإقامة الأدلة المثبتة له، كان لا بد من أن يذكر القرآن مجموعة من الأدلة تقطع عذر المخالف وتلزمه الحجة فقال: { إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى } الحب كالحمص والقمح والشعير، والنوى كبذرة البلح والزيتون وما في معناه، { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } يخرج الشجرة من البذرة ويخرج الإنسان من التراب، { وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ } وهذا يخلق فيه الحياة فيحيى ويخلق فيه الموت فيموت ولا يقدر على هذا غيره، لذلك قال: { ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } كيف تُصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، وتكذبون عليه ولا تخافون منه. ولما ذكر { فالق الحب والنوى } أتبعه بفلقٍ من نوعٍ آخر فقال: { فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا } فالق الإصباح عن الليل وجعل النور الأعظم في الشمس والنور المطموس في القمر، لأن القمر آلة حسابهم به يعرفون أوقات عبادتهم ومعاملاتهم ومصالحهم، { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا } لأن هدوءه وظلامه يؤمن للنائم الراحة والإطمئنان، ثم أشار إلى هذه النعم بقوله: { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } يسّر على الناس حياتهم وهيّأ لهم ما يصلحها في حلّهم، وأشار إلى ما يصلح حالهم في أسفارهم فقال: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } كانوا يعرفون طرقهم واتجاهاتهم بواسطة النجوم لأن الليل وحياة البادية لا معالم فيها تهدي الطريق، لذلك امتنّ عليهم بهذه النعمة التي هي تعريفهم مواقع النجوم يستعينون بها حين يشتد عليهم الظلام وتضيع عليهم الجهات وهذا دليل على وجوده وقدرته وحكمته، لذلك قال: { قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي وضحناها وبيناها، بالعلم يستطيع الإنسان أن يتعرّف إلى أشياء كثيرة، والعلم شرفٌ يدّعيه غير أهله والجهل عيبٌ يتبرأ منه الجاهلون، فلا شك أن فهم القرآن والتعرف إلى النجوم والحساب عن طريق القمر أمورٌ تجتاج إلى علم، لذلك ختم الايات بقوله: { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }، والعلم إن لم يصحبه فقه في الدين وفقه في الحياة وفقه في التعامل مع الناس يكون كلا علم، ثم ذكر الدليل الرابع فقال: { وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } لأن الذي يحمي الأولاد ويرعاهم وهم أجنّة الأم وهي التي تهتم بهم صغاراً، إليها يرتاحون وطعامهم منها وهم أجنّة ثم وهم صغار، ولا أحد يحلّ محل المرأة في رعاية أطفالها، لذلك ختم الاية بقوله: { قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } فالفقه جاء بعد العلم لأن كل واحد منهما يكمّل الاخر، ثم ذكر نعمةً عظيمةً فيها آية دالة على القدرة فقال: { وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ } ماءٌ وتراب وثمرات مختلفة وأحياناً بعضها أطيب من بعض وألذ، وهذا يدل على فاعل مختارٍ قادر، وقوله: { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا } كالقمح والشعير والرمّان، ثم ذكر النخل { وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } "من" هذه بيانية أي من جنس النخل، ثم فصّل فقال: { مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } تنبت النخل عدداً من العراجين، والنخلة هي شجرة طويلة عالية، فبعض العراجين يكون قريباً تسهيلا على الناس، وأحياناً تكون ذات عودٍ طويل، { وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } النخلة تحمي الأرض من التصحّر وغالباً ما تكون على أطراف البستان لأن قوة الشجرة وثباتها يحمي الأرض، أما الأعناب فإنها شجرة ضعيفةٌ لا تستطيع أن تقوم بنفسها ولكن تحتاج إلى شيء تتكئ عليه وتتكاثف أوراقها فتحجب الشمس عن الأرض لذلك سمّاها جنات، فلا تكون في الأطراف ولكن تكون في وسط البساتين، ثم لفت النظر إلى الزيتون والرمّان، فشجرة الزيتون تشبه شجرة النخل وتشبه شجرة الرمان مع فرقٍ في الثمر، فالبذرة في الداخل والثمرة حولها، ولكنّ بذرة الزيتون قاسية وثمرتها مرّة تحتاج إلى معالجة لتطيب، أما الرمان فمرتّبٌ ترتيباً رائعاً، فحبات الرمان مصفوفةٌ داخل الكوز كل صفٍ مغطى والجميع ملفوف محمي وهو أنواع: منه الحلو والحامض والبين بين، سبحان الخالق الذي شابه بين الشجر والثمار وخالف بينها، ولا يستطيع الإنسان أن يدرك ذلك الفرق إلاّ إذا أينعت وحان قطافها، لذلك أمره بالنظر والإعتبار والتدبر فقال: { انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } أي نضجه وصلاحه للأكل، فالزيتون الأسود بمعالجة بسيطة يكون صالحاً للأكل، والأخضر يحتاج إلى معالجة صعبة إلى حدٍ ما، أما الرمان فيؤكل ويَترك أثره على أيدي الآكلين، والكل خارجٌ من تراب وماء، لاجرم كان دليلاً على وجود فاعلٍ مختار، لذلك ختم الاية بقوله: { إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بوحدته وقدرته وعلمه وحكمته، ومع ذلك تركه الغافلون وافتروا عليه { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ } فالمشركون خلطوا بين الجن والملائكة ولم يميّزوا أحدهما عن الآخر، مع أن الجن مخلوقٌ من نار ومكلف كالإنس ومحاسبٌ يوم القيامة، والملائكة مخلوقون من نور وتكليفهم تشريف لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ولا يوصفون بالجنس لأن الله أنكر أن يكون الملائكة إناثاً فنفى أن يكونوا إناثاً أو ذكوراً، أما الجن ففيهم وفيهم قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ } فإذا ثبت أن ثمة رجالاً من الجن فلا بد أن يكون ثمة نساء من الجن، والجن يتوالدون كالإنس فرقٌ وحيد بين الإنس والجن أن الجن يُخلق كاملاً والإنس يُخلق ناقص الأهلية يتكامل نموه إلى أن يبلغ سناً معيناً، أما الجن فمن ساعة ولادته يعقل الأوامر، ثم أبطل أن يكون الجن شركاءً لله بحجة ملزمة فقال: { وَخَلَقَهُمْ } فلا يمكن أن يكون المخلوق شريكاً للخالق، فإذا ثبت أن الجن مخلوقون فهم أبعد ما يكونون شركاء لله، ثم قال: { وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } فاليهود قالوا عزيرٌ ابن الله والنصارى قالوا المسيح ابن الله والعرب قالوا الملائكة بنات الله، هذا قول جاهلٍ بالله لذلك ناسب أن ينزّه نفسه وينزّهه خلقه المؤمنون فقال: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ } ثم ذكر الدليل القطعي على أنه ليس كمثله شيء فقال: { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ } بديع السماوات أي موجدها من العدم على غير مثال سابق، والسماوات والأرض دليل على عظم جُرمهما وكثرة ما فيهما، هو أبدعها فكيف يكون له ولد؟ ولا من يشبهه ولا ما يشابهه، { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ } فكيف يساوي المخلوق خالقه فكل ما عدا الله مخلوق والله وحده الخالق، { وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء فكيف يكون شريكاً لمن خلق وملك، لذلك وجّه الخطاب إلى الناس كل الناس فقال: { ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } فبيّن للناس أن الله رب العالمين خالق كل شيء لا مستحق للعبادة غيره ورتّب على ذلك الأمر بعبادته والتسليم له والإنقياد لحكمه والخضوع لأمره، { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } لا تدركه الأبصار للطفه لأنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته وهو يدرك الأبصار لسعة علمه وإحاطته بهذا الكون، وعلمُه بعواقب الأمور، ثم وجّه الخطاب للناس مرة ثانية فقال: { قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ } أي أدلة واضحة وحجج مقنعة، ورتّب على ذلك { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا }لأن فائدة العلم والفهم تعود على من فهم، وضرر الجهل يعود على الذي لم يفهم، ثم قال على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ } فلا يلزمه بشيءٍ ولا يقهرهم على شيء هو يبيّن لهم ما أوحي إليه وعليهم أن يُعملوا عقولهم في ما يرون ويسمعون ويجتهدوا في تحقيق ما يصلحهم، { وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ } مثل ذلك التصريف باستخدام أساليب متنوعة في إيراد القضايا بشكلٍ يعجّز الخصم فينتقل من العجز إلى الإيمان، وربما طعنوا على النبي من كثرة ما في القرآن من علم وحجة { وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ }كأنهم يعرضون به أنه تعلم ذلك من أهل الكتاب أو من غيرهم، هي حجة الضعيف العاجز يشكك في القوي لينفّر عنه، { وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي استخدمنا هذه الطريقة واتبعنا هذا الأسلوب في بيان المعنى الواحد لنبيّن القرآن ونوضّح الأحكام لقوم يعلمون، وهذه دعوة القرآن إلى العلم والتعلم أتبعها بدعوة ثانية فقال: { اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } أي لا تبال بهم، ولا تهتم بما يثيرون من شبه لأن الصراع بين الحق والباطل مستمرٌ ما دامت الحياة وما دام الناس، ولو أراد الله أن يخلق الناس أمة واحدة على دين واحد وشكل واحد وخلق واحد لفعلوا { وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ } لكن شاء شركهم قدراً فأشركوا ليُعلّم الناس أن يتعايشوا مع المختلف، فيتعاونون في عمارة الأرض وإصلاحها، يتقبل بعضهم بعضا ويساند بعضهم بعضا، { وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } تحفظهم فتمنعهم أن يشركوا وتلزمهم بالمنهج { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } فلست مسؤولاً عنهم إلا في حدود أن تبلغهم رسالة الله وما وراء ذلك فكل واحد مسؤول عن عمله محاسب عليه. هكذا بيّن القرآن كيف يكون التعامل مع مبدع الكون وخالق كل شيء صاحب الخلق والأمر، ماذا يجب له بيّنه القرآن في هذه المجموعة من الآيات ليكون سبباً في تعظيمه واتباع منهجه، فاللهم فقهنا ووفقنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة