الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هل من معتبر؟!  
سورة الأنعام   الآيات 63 - 90


الإنسان بحاجة إلى الله في وجوده وبقائه، لذلك يمتن عليه بنعمٍ كثيراً ما يغفل عنها، هي نعمة الإمداد، فلولا أن الله يتدارك الإنسان برحمته لهلك، لذلك تراه يوجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره أن يسألهم { قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } إلى من تلجئون إذا أحاطت بكم الأخطار وضقتم ذرعاً بحياتكم، { تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } تبذلون له أقصى غايات الخضوع والتذلل في سرية تامة ونفس مخلصة بعيدة عن الرياء، توثّقون ذلك بالأيمان { لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } هكذا حال الإنسان وقت الضيق فإذا فرّج الله همه وأغاثه أعرض عن الله وهذا هو السر في إعراض الله عن مخاطبتهم وتشريف النبي بها، وأمره له بإبلاغهم { قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } ما أشد غفلة الإنسان وقلة وفائه، يطلب من الله ويستغيث به ثم يعبد معه غيره، مع انه يعلم أن لا تأثير لأحدٍ إلا لله الواحد القهار، فالأحرى بالناس أن يخلصوا لله ظاهراً وباطناً وأن يراقبوه في ما يأتون ويذرون وأن يكونوا على حذر من غضبه، { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ } كما فعل بقوم شعيب حين أرسل إليهم العذاب بصورة السحاب فأهلكهم، { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } كما فعل بقوم نوح وموسى { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ } يا لله إنه عين ما حل بنا معشر المسلمين في جميع بلاد العالم الإسلامي فنحن الآن شيعٌ متفرقة وأحزاب متناحرة، أنهكنا الخلاف وأتعبنا القتال، لا قتال اليهود الغاصبين بل قتال بعضنا البعض، نذوق بأس بعضنا أشد ما يكون البأس، فالحاكم يقذف محكوميه ببراميل البارود لا يخشى الله فيهم ولا خلقه، وشعار محاربة الإرهاب ستارٌ تذرّع به كلاب الأرض ليحاربوا المسلمين أين كانوا، في سورية أو في العراق أو في البحرين أو في اليمن أو في الكويت أو في أوروبا أو في آسيا، فاللهم وفقنا للتوبة واعصمنا من أن نفني بعضنا بعضاً واجعلنا نعتبر بما أنزلت من القرآن نفكّر فيه ونتوب إليك.
{ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } تحيط بنا الأخطار من كل جانب ويغشانا العدو في كل وقت ولا نفهم ولا نعقل ولا نتدبّر، لا نقول إلا كما قال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ } اي الثابت الذي لا محيد عنه { قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ } لا أتحمل مسؤولية عنكم أنصح لكم وأبيّن { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } إن الحقائق تظهر للعيان واضحة جلية يوم القيامة وأوعدهم هنا بأنهم سيعلمون الحقيقة تماماً كما هي ويندمون ولات ساعة مندم، ثم أمره أن يتجنّب المجالس التي يساء فيها إلى الإسلام أو القرآن فيترك الخائضين وخوضهم ليبقى للمسلم شخصية مستقلة تعرف الحق وتدعوا إليه وتدافع عنه وتنكر المنكر وتبينه للناس فقال: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا } أي في القرآن يفسرونه على أهوائهم أو يطعنون فيه { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } حتى يتركوا هذا الحديث ويقلعوا عن الباطل الذي يعيشونه، وخروجه عنهم دليل صدق إيمانه وإصابة توجهه، فالمسلم صريح قادر على مواجهة الباطل لكنه يأنف من إثارة الفتن ونشر العداوات وإثارة النعرات واستعداء الناس بعضهم على بعض، ثم بيّن أنه لو غفل ذات مرة وجلس معهم ناسياً واجبه فتذكّر فليبادر إلى مفارقة المجلس { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. وبين لهم واجب المسلم الذي يتلخّص في بيان الحق ونشره بين الناس دون عنفٍ أو تسلّط على خلق الله { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } هكذا المسلم يبيّن للناس المنهج ويقيم الأدلة ويتركهم وشأنهم لا يجبر أحداً على شيء لأن الله لم يسلط أحداً على أحد إلا بتسليط الشرع كما سبق الإشارة إليه، وانطلاقاً من هذا المبدأ جاء قوله: { وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا } أي أعمالاً لا تثمر خُلقاً ولا تحقق هدفاً ولا تبني مجتمعاً صالحاً، { وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } فانغمسوا بها وآثروها على الأخرى، { وَذَكِّرْ بِهِ } يعني بالقرآن والسنة { أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } أن تتحير فما تدري ما تصنع كيف تواجه المشاكل وكيف تنقذ نفسها مما يوشك أن ينزل بها، وقد تخلت عن الله واتبعت الهوى فضاعت { وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } لأنها لم تؤمن، إذ الإيمان مفتاح قبول الأعمال والدافع عليها والمصحح لها { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } يعني من السيئات والأعمال غير المقبولة { لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } أحبوا الكفر واقبلوا عليه وتركوا الإيمان وأعرضوا عنه فاستحقوا هذا الجزاء { لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }. ثم قص علينا القرآن قصةً فيها من العبرة ما لا يقدر قدره فقال: { قُلْ } يا محمد صلوات ربي وسلامه عليه { أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا } أنترك الله الغني القوي المعطي المانع ونعبد مخلوقاً أو حجراً لا ينفع ولا يضر، { وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ } أي نترك الحق والعلم ونعود إلى الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء بعد أن كنا في نور الإيمان والعلم ننعم بهداية الله فيكون حالنا { كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ } لعبت به الشياطين فضاع عقله واضطرب فكره وفقد التمييز بين الخير والشر والنفع والضر، { حَيْرَانَ } لا يدري ما يفعل متردد لا رأي له ولا فكر، { لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا } هؤلاء الأصحاب من الجائز أن يكونوا من جنسه، ذوي أهواء وانحرافات يريدون أن ينحرفوا به أكثر، والهدى ربما كان هدى اصحابه كما يزعم بعض المحاربين للدين فيصورون الدين بالعدو ويتخيلونه على خلاف ما هو عليه، فأصحابه يدعونه إلى الهدى واتباع الشهوات ويطلبون منه أن يكون معهم، ولكن القرآن لا يرضى أن يكون مثل ذلك ويبيّن للناس الحق الذي لا محيد عنه { قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ } كأنه حصر الهدى أي العقيدة والشريعة ومنهج الحياة يجب أن يكون موافقاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مما بينه في القرآن أو في السنة وشروحها، وهو الإنقياد بالكليّة لله { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي نستسلم بكليتنا لله نحكّمه في أنفسنا وفي أهلينا وفي مجتمعنا ونرضى بحكمه وننقاد له، ولما كان عماد الدين أمورٌ لا بد من بيانها، بيّنها القرآن { وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ } أي أدوها تامة الأركان والشروط والواجبات وغير ذلك، { وَاتَّقُوهُ } اي اجعلوا بينكم وبين عذابه واقيا يقيكم عذابه بطاعته والتزام امره وترك ما نهى عنه، { وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فيحاسبكم على أعمالكم ويثيب المحسنين ويعاقب العصاة، ثم اقام الدليل على قدرته بخلق السماوات والأرض فقال: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ } أي ملتبسة بالحق ولا أحد يستطيع أن يفعل هذا إلا إله العالم، { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ } ما يريده الله أن يكون فيكون بمجرد إرادته، والتعبير في قوله كن فيكون للدلالة على أن ما يريده الله يتحقق فوراً ودون مقدمات وحتى بدون قول، لأن قوله الحق الثابت الذي لا ريبة فيه { وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ } يوم القيامة يوم يعيد الناس لحسابهم { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } الغيب ما غاب عنا والشهادة المراد منها المحسوسات، لقد جمع الله في الإنسان بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ففي الإنسان من عالم الشهادة جسمه ولحمه وعظمه..الخ، ومن عالم الغيب علمه وعقله وروحه، والله مطلع على العالمين { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } الحكيم المتصف بالحكمة في قوله وفعله وتقريره وإرادته، والخبير هو العالم ببواطن الأمور، وطبيعي أن يكون عالماً بظواهرها. وبعد هذه المقدمة ذكر لنا قصتين عن إبراهيم ابي الأنبياء إمام العقيدة وخير من أدى ما كلّف الله به، أما القصة الأولى فذكرها في آية واحدة { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } بهذه الاية البسيطة أبطل إبراهيم الوهية الأصنام، لأن تعددها يدل على عدم فائدتها ولو كانت ذات فائدة لكفى واحدٌ منها، وقول إبراهيم لأبيه لم يسم علماء الأنساب أبي إبراهيم آزر، وآزر إسم عربي لا علة فيه تمنع صرفه، من هنا اختلف أهل التأويل فرأى بعضهم أن المراد بأبيه عمه لأن الأنبياء لا يكونون في الغالب أبناء كفار، وعليه يكون آزر مفعول به لفعل محذوف كأنه قال لأبيه دع آزر على رأي أن المراد بأبيه عمه والموضوع بحاجة إلى تحقيق وهو أمر عسير دونه خرق القتاة، وإبراهيم ربما نُبيء قبل أن يقول هذا القول بدليل محاورته أباه في سورة مريم، وههنا يحاور قومه وقوله دع آزر نهي عن عبادة الصنم وأمر بعبادة الله معلل بأن تَعدد الأصنام دليل فشلها وعجزها وضعفها بدليل قول إبراهيم آخر الآية: { إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } واضح لا شك فيه. ثم ذكر القصة الثانية وهي محاورة قومه لإبطال الوهية الكوكب، إذ كانت عبادة قومه للكوكب ناشِئة عن جهل بالله وصفاته وما يجوز له وما يستحيل وما يجب، لأن تعقيبه في الآية الأولى غير تعقيبه في الآية الثانية أو الثالثة، وقدّم لهذه القصة بقوله: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } يستدل فيها من يوجب على المكلف النظر، وعندي أنه لا دليل لأن الموقنين أكثر من المؤمنين، ومن يقول بالنظر يتوصل به إلى الإيمان وهذه مرتبة فوقه، وههنا يجادل قومه { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي } قد يعدها بعض من لا خبرة له في آيات القرآن وعلم الكلام من الكذبات التي كذبها إبراهيم، وقالوا في ذلك لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، وعندي أن قوله "هذا ربي" إما على تقدير بزعمكم أو على طريق أهل المنطق الذين يقولون إذا أردت أن تنفي شيئاً فافترض وجوده، وما كان إبراهيم ليعبد الكوكب وهو الموحى إليه من رب العالمين، وإنما ساق القرآن هذه القصة ليعلمنا الطريقة التي نبطل بها عبادة الكوكب، { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ } استدل بمجيء الكوكب وذهابه على أنه مربوب لإله وأنه لا يصلح أن يكون إلاهاً، وإنما تلطف مع قومه فقال لهم لا أحب الآفلين { فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } فههنا لم يقل لا أحب الآفلين وإنما اتهمهم بالضلال وصرّح بذلك دون أن يصرّح { لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } من غيرهم؟؟ وفي المرة الثالثة حيت أفلت الشمس لم يقل لا أحب الآفلين ولا قال لأكونن من القوم الضالين، ولكنه واجه القوم بالحقيقة الثابتة { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } فهو ما عبد الشمس ولا القمر ولا الكوكب ولكنه استدل على بطلان الوهية ذلك، ودعا القوم إلى نبذ الوهية الكوكب والتوجه لعبادة الله الواحد القهار، خالق كل شيء ومالك الملك، { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } ويدخل في ذلك الكوكب والشمس والقمر فخالقهن أولى بالعبادة منهن، { حَنِيفًا } أي مائلاً عن الشرك إلى التوحيد وموقعها الإعرابي حال ومفهومها { وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } لذلك أكد مفهوم الأولى بمنطوق الثانية ومفهوم الثانية بمنطوق الأولى، فقرر أنه مائلٌ عن الشرك إلى التوحيد متوجهٌ بكليته إلى الله الواحد القهار، فجُن جنون قومه وبدؤا يحتجون عليه، لكنه كان واثقاً بالله معتمداً عليه، بيّن القرآن ذلك أوضح بيان { وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ } فبيّن الحالة أوضح بيان عن طريق علم التجويد وهذه المدود وإخفاء النون كل ذلك يدل على الحركة من قومه سعياً لإبطال عقيدته وثابته على العقيدة، وهاهو يواجههم بالحجة { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } لأنه لا يضر ولا ينفع بنفسه لكن إذا أراد الله إلحاق ضرر بي عن طريقهم يحصل وإلا فلا، فهو واثق أن الله المعطي المانع والضار النافع، فهاهو يقول لهم لا أخاف هذه الأصنام التي تعبدون، فلما هددوه وقالوا إنها تضرك إستثنى فقال: { إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا } فلا أحد ينفع ولا أحد يضر إلا بمشيئة الله وإرادته، وهذا أمر معروف عند علماء العقيدة فلا خاصية لشيءٍ مخلوقٍ دون مخلوق ولكنّ الله يفعل ما يشاء عن علم وحكمة إبتلاءً لإظهار الفضل أو كشف الزيف { وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } (أ)تعلمون { فَلاَ تَتَذَكَّرُونَ }فتراجعوا الحق وتعودوا إلى رشدكم تخافون من يستحق أن يخاف لا العاجز الضعيف، ثم ألزمهم الحجة بسؤال { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا } أنا إن عبدت الله وأطعته فلا أخاف أصنامكم أو الكوكب أو غيره، والذي يستحق أن يخاف هو أنتم يجب عليكم أن تخافوا الله لأنكم أشركتم معه وبه غيره دون مسوّغ شرعي ولا حجة من عقل أو وحي، ثم أعاد السؤال بطريقة ثانية { فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } فأجاب القرآن { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } حجةٌ واضحة ودليل قاطع على أن الآمن يوم القيامة هو المؤمن بالله الموحد له الذي لم يشرك به لا شركاً خفياً ولا ظاهراً، قال تعالى: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } ثمّ عدد الأنبياء والرسل الذين جاءوا من نسل نوح وإبراهيم فجمع في الآيات من - 83 إلى 86 – ثمانية عشر نبياً ورسولا، ثم قال: { وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ } فجمع العائلة كلها والإقرباء كلهم وصرّح بأنه اصطفاهم وبيّن لهم، { وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } طريقٍ واضح يقوّم السلوك ويسدد المسار، وعقّب على ذلك فقال: { ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فقرر أن من يشرك بالله أو يلجأ إلى غيره تنحط منزلتُه مهما كانت رفيعة قبل أن يشرك، { لَحَبِطَ عَنْهُم } أي ضاع ثواب أعمالهم الصالحة وأضحت كأن لم تكن، ثم أثنى عليهم { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } والمراد جنسُه {وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ } اي الحكمة والرسالة { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء } يعني قريشاً { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ } يجوز أن يراد بهم أتباع الأنبياء السابقين ويجوز أن يراد بهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خير القرون، أو الأنصار الذين ناصروه في دعوته وكانوا إلى جنبه، وأياً كان فقد شهد القرآن بإيمانهم وأبعدهم عن الكفر بأوضح عبارة، وختم الآيات بقوله: { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الأنبياء المذكورون قبل أوتوا عقيدةً وشريعة، عقيدتهم التوحيد وهو المطلوب الإقتداء بهم فيه، أما الشرائع فتختلف من وقت إلى وقت ومن أناس إلى أناس لأنها تعالج أمراض الأمم والأمراض تختلف، والأولون بلّغوا رسالات الله ولم يطلبوا من الخلق أجراً ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم يقول لهم ما أمره الله أن يقوله { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } مرجع الضمير في عليه يعود إلى التبليغ أو إلى القرآن وكذلك الضمير في هو، وهذا من أدب القرآن أن العالم الذي يقتدي بالنبي يسير على المنهج الذي يسير عليه الأنبياء فيبلّغ رسالة الله ولا يطلب على ذلك أجرا، فأين العلماء الذين يقتدون بالأنبياء!! يسيرون سيرتهم، ينهضون بالمجتمع من كبوته، يجمعون الناس على الحق، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة