الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الناس مع الرسول  
سورة الأنعام   الآيات 29 - 45


دأب أهل مكة على معاندة الرسول، فكان المتوقع من القرآن الكريم أن يأتي بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة على بطلان أقوالهم وصحة قول الرسول، وبعد أن بيّن بالدليل القطعي أنهم متمرسون في الكفر حريصون عليه يطلبون طلبات كان آخرها أن يعيدهم إلى الدنيا بعد موتهم ليتوبوا ويعملوا الصالحات وبيّن أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وحكم عليهم إنهم لكاذبون، ثم شرع في تعداد بعض أقوالهم فقال: { وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } مرةً ثانية ينكرون البعث الجسمانيّ بعد أن نقلهم إليه وبيّن لهم ما يعاينه المكذبون، عادوا إلى باطلهم: "ما هي إلا حياتنا الدنيا أرض تبلع وأرحام تدفع"، { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } أي ليس هناك ثواب ولا عقاب ولا حساب ولا شيء، جعلوا الإنسان أحط من الحيوان لا قيمة له في هذه الحياة يعمل ما يشاء ثم يموت وينتهي الأمر، إلا أن ذلك ينافي العدل لأنه يسوّي بين المسيء والمحسن بين العامل والخامل بين المظلوم والظالم، فلا بد من رد هذا القول بدليل مفحم يسقط كلامهم ويدحض حجتهم .
إنه القرآن ينقل الناس إلى المستقبل إلى الحساب يعجّب القارئ له والسامع من حال الإنسان الذي يتبع الهوى فيصمُ أذنيه عن سماع الحق ويعمي عينيه عن إبصار الأدلة إلى أن يموت فيقف بين يدي الجبار خالي الوفاض فقيراً لا من يحميه أو يدافع عنه ينظر أمامه فلا يرى إلا النار وينظر خلفه فلا يرى إلا النار، إلى ذلك أشار بقوله: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ } أي حبسوا للحساب أو وقفوا على أمر ربهم أو حكمه {قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ } قالها لهم بعد أن عاينوا الحساب { قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا } أجابوه إجابةً واضحةً لا لبس فيها واقسموا به على صدقهم فبنى على الشيء مقتضاه، { قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } أرسلت إليكم الرسل وأقمت لكم الحجة وأريتكم المعجزات فلم تؤمنوا فاليوم حساب ولا عمل، ولأنهم أفنوا أعمارهم جميع ما يملكون بمعصية الله وكفروا به جاءوا يوم القيامة خاسرين { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ } يعني بالبعث بعد الموت { حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } لأنهم كذبوا بلقاء الله فأنكروا البعث والحساب فخسروا وخسارتهم ممتدةٌ لأنهم سيدخلون النار مخلّدين فيها، وأنكروا البعث حتى إذا فاجأهم دون مقدمات أو بمقدمات نادوا حسرتهم فهذا وقت أوانها تحضر لترى خيبتهم وخسارتهم على ما تركوا من الأعمال الصالحة وأضاعوا الفرص الكثيرة وارتكبوا الأعمال السيئة، نادوا حسرتهم لأنهم فرطوا في الحياة الدنيا وأعمالهم السيئة التي ارتكبوها، أشار إليها بقوله: { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ } كأنها أعمال ثقيلة وهذا من بيان القرآن للمعاني بصورة الأجسام، { أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } يذم أعمالهم السيئة ويجعل فعل الذم ماضياً والمخصوص بالذم "ما" المصدرية أو الموصولة، وصلتها "يزرون" فعل مضارع وكأنهم أصروا على ارتكاب المنكرات وترك الخيرات واتباع الهوى، مغترين بالحياة الدنيا فبيّن لهم على طريق النفي والإثبات حقيقة الحياة الدنيا التي تمسكوا بها وأقبلوا عليها فقال: { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } لأن ما فيها من حسنات منغصٌ بما فيها من آلام وخوفٍ واحتمال انقطاعها ولا ينالها الإنسان إلا بشيء من التعب، فلو استفرغ جهده في تحصيلها أضاع وقته فيما لا فائدة فيه ولا ثمرة له، ثم لفت النظر إلى الدار الآخرة فبيّن أنها خير من الدنيا فقال: { وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } اي يتقون الشرك والكفر وجميع ما يحبط الإيمان { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }أتعلمون ذلك فلا تعقلون وتبحثوا عن الأشياء ذات الفوائد الدائمة وتتركوا الأعمال التي لا فائدة فيها ولا ثمرة لها. كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على هداية قومه باذلاً جهده في بيان الحق لهم وإقامة الأدلة عليه، وطبيعيٌ أن يصيبه الضيق حين يبيّن لهم فلا يتبينون، ويقيم الأدلة فلا يقتنعون، يواجههم بالحجة الواضحة فيجيبونه بمنطق الجاهلين. إن الداعية الحريص على هداية قومه إذا ما ووجه بما ووجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزن لأنه ينفخ في قربة مثقوبة، لذلك كان بحاجة إلى ما يثبّته يشدّ من أزره ويقوّي عزيمته { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ } من اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالساحر والشاعر ووصف القرآن بأنه أساطير الأولين، وأشباه ذلك من الأكاذيب التي تقال لتصرف الناس عن الإيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، فيرفق به ويقول: { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ } إن الإساءة لا تبلغك بل تتعداك إلى القرآن، أشار إلى ذلك حين استدرك { وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ } ثم بين لهم أن دأب المرسل إليهم تكذيب الرسل ودأب الرسل الصبر على البلاء، ذلك أن الإيذاء والتكذيب نوع بلاء فلتتأس بمن قبلك وليكن فيهم قدوة لك { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } أنّث الفعل لإرادة الجماعة { فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ } والصبر مفتاح الفرج وسبيل النجاح يثبّته الثقة بالله والإعتماد عليه والثبات على المبدأ { حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ } من مثل قوله: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } وما قصة نوح ولوط وصالح عنكم ببعيد، فالنصر آت لا محالة لأن الله لا يخلف وعده ولا مبدّل لكلماته، ثم يؤكد ذلك بالدليل التاريخي { اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ } أي خبرهم وقصتهم. كان النبي حريصاً على هداية قومه يتضرع إلى الله أن يحقق لهم ما يطلبون فيؤمنون، فجاءت هذه الآية لتضبط حركته وتبيّن له أنهم يطلبون ما يطلبون لإرهاقه وتعجيزه لأنهم لايريدون الإيمان ويبحثون عن مبرر لإرادتهم، والقرآن حكيم يعامل الإنسان باللطف والحكمة ويقيم له الدليل المنتزع من الواقع والطبيعة القريبة، { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ } عن الإيمان بك وبما جئت به والقرآن والحجج الواضحة، { فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ } تحداه أن يدخل في قلب الأرض فيخرج لهم آية أو يرقى في السماء فينزل لهم آية كأنه يقول له:"إن استطعت أن تأتيهم بآية من قلب الأرض أو فوق السماء"، وحذف الجواب لأنه واضح كأنه قال فافعل، وبين له أن الأمر كله بيد الله يوفق من شاء لأنه علم فيه الصلاح وقابلية الخير ويخذل من يشاء لأنه علم فيه الجحود والكفر، وهو قادر على تحويل حالهم إذا شاء، مصداق ذلك { وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ } الأمر كله بيده فلو علم أن في جمعهم على الهدى مصلحةً لهم أو لغيرهم لفعل، لكنه علم حالهم ومآلهم وعاقبة تعنتهم فتركهم وما أرادوا فلا تحرص على هداية من لا يريدها ولا يفكر فيها ولا يرغب في تحصيلها، ثم بين لهم من يستجيب لدعوته وفي ضمن ذلك إشارة إلى من لا يستجيب فقال: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ } سماع تعقلٍ سماع راغب في الهداية حريص على الإستزادة من العلم مؤمنٍ بالله حريصٍ على طاعته، ولما كان أولئك السامعون كالأموات عطف على الجملة جملة أخرى فقال: { وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } فهؤلاء الرافضون للحق المعرضون عنه يشبهون الموتى لأنهم لا يجيبون ولا يعملون ولا يهتدون، فيحييهم الله ليحاسبهم على ما فعلوا، يثيب المحسن ويعاقب المسيء. ثم جددوا طلب المعجزات وقالوا: { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } من حق المدعوين أن يطلبوا الدليل وليس من حقهم أن يعيّنوا نوعه، وإن أي خارقٍ للعادة يكفي للإيمان لا خارقاً معيناً، ثم إن الله إذا أجابهم إلى ماطلبوا ولم يؤمنوا استحقوا عذاب الإستئصال ، وأمة محمدٍ هي آخر الأمم فلا يتستأصل قومه، إن عدم الإجابة إلى طلبهم ليس ناشئاً عن عجز الله لكنه ناشئٌ عن رحمة الله بهم وحرصه عليهم، { قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } عاقبةَ عدم إيمانهم إذا أجاب طلبهم، قال ابن عطاء الله السكندري:"ما منعك إلا ليعطيك" فإن الله منعهم الايات ليعطيهم الحياة والفسحة في الوقت وأن تمتد بهم الحياة فيقتنعوا بأن الله واجب الوجود لذاته مستحقٌ لصفات الجلال والجمال، وبالنتيجة هم ليسوا إلا عباداً يريدهم الله أن يكونوا عبيداً بالإختيار فيخضعون له من أنفسهم دون قهر أو تسلط. عوالم الله كثيرة أشار إلى أحدها بقوله: { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ } والدابة هي ما يمشي على الأرض وأراد بذلك الحيوانات المختلفة وأشار إلى عالم آخر بقوله: { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } ذكر الجوانح هنا لدفع توهّم المجاز لأنه أراد بالدابة عالم الحيوان الذي يدبّ على الأرض، وأراد بالطائر عالم الطير المختلف، { إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم } حتى ورد أنه يقتص للنطيحة من نطيحتها، فعدله مطلق ولا يمكن أن يكون الإنسان اقل من الحيوان يعيش ما عاش ثم يموت ولا حساب أو ثواباً أو عقاباً، الكل يرجع إلى الله يحاسبه فيثيبه أو يعاقبه، { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } فمن أعمل عقله فيما رأى وسمع ومن أطاع الله فيما أمر ونهى ومن التزم الشرع أثيب، والآخر لم يسمع ولم يتكلم ولم يرَ، { وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ } لأنهم لم يعملوا بما فيها وبكمٌ لأنهم لم ينشروا الحق في المجتمع وهم في ظلمات الجهل والكفر والهوى، وختم الآية بقضية شرطية عامة { مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } الأمر كله بيده يفعل ما يشاء يحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقّب لأمره. ثم نقل الناس إلى الحياة التي يعيشون ليناقشهم في واقعهم وما هم عليه كيف يكون حالهم لو فاجأهم العذاب أو البعث الجسماني، إلى من يلجئون { قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } حين يعاينون الحساب أو العذاب من يدعون؟؟ هل من أحدٍ ينفعهم في ذلك الموقف؟؟ يأتي الجواب { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } لأنهم وصلوا إلى حق اليقين فرأوا الجنة والنار وعاينوا الحساب فلا يمكن أن يلتفتوا إلى غير الله، ولا يتوجهوا إلا له، ثم بين موقف الناس في الرخاء والشدة وأنهم في الرخاء ينسون خالقهم وفي الشدة يرجعون إليه وأن تقلب الناس بين الرخاء والشدة يقسي قلوبهم ويجعلها تظلم فلا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، اسمعه يقول: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يبتلي الله الناس بالصحة والمرض والغنى والفقر والرخاء والشدة فعلى العاقل ان يعتبر ويعلم أن الدنيا دار ابتلاء وأن الإبتلاء يختلف من شخص إلى شخص ومن بلد إلى بلد ولكن الإنسان إذا تمرس في المعاصي وأحبها وتمسك بها فإنه لا يفكر في التوبة وإن فكر في الفوز برضوان الله، ويغفل عن الله فربما لا يستجيب الله له لقسوة قلبه، { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } إن الإنسان إذا انغمس في معصية الله وسعى في تحقيق مصالحه فإنه يفرح بالدنيا حين تقبل عليه ناسياً أنها تقبل عليه استدراجاً له، وأن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت، يتحيّر فلا يتبين الحق لأن قلبه أظلم بالمعاصي وترك الطاعات فإذا نزل به البلاء لم يتنبّه إلا بعد فوات الأوان بعد القضاء عليه وإنهاء حياته، ولما كان الله قد أعطى الإنسان ما يميز به الخير من الشر والهدى من الضلال والنور من الظلام، ناسب أن ينتقل بهم إلى موضوع آخر هو هذه النعم التي أنعم بها عليهم ماذا عملوا بها، فاللهم بصرنا ووفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة