الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وقفةٌ مع الأفكار المضطربة 
سورة الأنعام   الآيات 12 - 28


هذه الآية عبارة عن حوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، يشرّف الله رسوله بالخطاب ويأمره أن يسأل المخالفين أسئلة تدل على جهلهم واضطراب فكرهم فيما يذهبون إليه، ليخلص من ذلك إلى إقامة الأدلة المقنعة على فساد الشرك وإثبات التوحيد، فيقول: { قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } لم ينتظر إجابتهم لأن الجواب معروف تولاه بنفسه { قُل لِلّهِ } لينتقل منه إلى إثبات صفة الرحمة لله ومن خلالها إلى إثبات اليوم الآخر يوم الحساب والجزاء، فيثبت لهم بالدليل أنهم في الآخرة خاسرون لعدم إيمانهم، مع قيام الأدلة { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } من رحمته بخلقه أن يمد لهم في الأجل، ويؤخر حسابهم ليفسح لهم في الوقت { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين فيحاسب كلاً على ما عمل، يثيب المحسنين ويعاقب الكافرين، وبديهيٌ أن يربح في ذلك اليوم المؤمنون، لذلك تراه يقرر أن الخاسرين في ذلك اليوم { الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أفنوا عمرهم أثمن ما يملكون في اللهو والعبث والهوى فضاعت معه أنفسهم. وهنا ينشأ في النفس سؤالٌ "ما حدود ملكه"؟؟ يأتي الجواب { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } ذكر القسيم وطوى قسيمه لأن مقابل { مَا سَكَنَ } ما تحرك، فإذا كان مالكاً لما سكن فهو مالك لما تحرك، ويناسب ختم الآية بقوله: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } السميع لأقوالكم العليم بأعمالكم، فإذا كان ذلك كذلك فلا بد أن يحاسبكم على أعمالكم السيئة والحسنة فيعاقب ويثيب، وإذا ثبت أن الله مالك لكل شيء في هذه الدنيا أيصح عقلاً أن يُترك ويُعبد المملوك!! إلى ذلك أشار بقوله: { قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا } وبرر إتخاذه الله ولياً بأمور: الأول أنه الخالق للسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، الثاني غناه عن كل ما عداه وافتقار الخلق كلهم إليه، أشار إلى ذلك بقوله: { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } يعني غيره { وَلاَ يُطْعَمُ } لأنه الغني، الثالث أنه مأمور من الله أن يكون أول المستسلمين له وأن لا يكون من المشركين { قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } يعني أسلم وجهه لله وخضع له ظاهراً وباطنا { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ } لأنه لا يجوز عقلا ولا نقلا مساواة العاجز بالقوي، الرابع أنه يخاف الله فلا يجرؤ على معصيته خوفاً من عذابه لأن عذاب الآخرة حريٌ أن يُحذر منه وأن الذي ينجو في الآخرة هو الفائز { قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } جاء التهويل بصعوبة اليوم الآخر من أكثر من جهة، تنكير "عذاب" وإضافته إلى يوم ووصفه بالعظمة، وأنه حريٌ أن يُحذر لقوله: { مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ } التنوين في "إذٍ" عوضٌ عن جملة محذوفة، والجملة شرطٌ جوابه { فَقَدْ رَحِمَهُ } وأي رحمةٍ أعظم من العفو عنه وإدخاله الجنة، لذلك أشار إلى هذه النعمة بقوله: { وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } أي الواضح الذي لا يتنازع فيه عاقلان. إن الإنسان في هذه الحياة بحاجة إلى الله في عسره ويسره لأنه مربوب له خاضعٌ لسلطانه، عبّر عن ذلك بآيتين: الأولى { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ } فهو وحده القادر على إيصال ما يريد إلى من يريد { وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } فما يريده الله يوصله إلى من أراده له، لا يستطيع أحد أن يمنعه ولا يخالف أمره لأنه وحده المتسلط على خلقه { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } قهر عباده بالموت وبالمرض لا يستطيع أحد أن يحميهم منه، وإنما فعل ذلك لحكمة قد نعلمها وقد لا نعلمها، وجهلنا بها لا ينفي وجودها { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } أفعاله لا تخلو عن حكمة ولا تخلو عن فائدة قد تظهر لنا أو لا تظهر، لكنّ التسليم لله واجبٌ عقلنا عنه أم لم نعقل. ولما شك المشركون بالرسالة مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن متهما عندهم، إذ كانوا يلقبونه بالأمين ولم يجربوا عليه كذباً قط، ولكن التعصب والهوى يدفع الإنسان إلى طلب الأدلة والتعنت في طلب الحق إتباعاً للهوى { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً } يُطلق علماء العقيدة الشيء على الموجود، فما ليس موجوداً ليس بشيء، بهذا الإعتبار جاء السؤال "من تريدون شاهدا؟؟ من هو المعظم عندكم رفيع القدر؟؟" يأتي الجواب { قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ }، يستشهد الله على صدقه تماماً كما فعل رسل "يس" فاستدل بالله شاهداً له على أنه رسول الله، والدليل على نبوته ورسالته القرآن، { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ } وهذا دليل على أن القرآن الكريم حجةٌ ملزمةٌ ومنهج واجب الإتباع لكل من يبلغه، طال الزمان أو قصر، ثم توجه إليهم بالسؤال ليبين لهم أنه على عقيدةٍ تخالف مذهبهم { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى } كاللات ومناة والعزّى، { قُل لاَّ أَشْهَدُ } هذا باطلٌ قام الدليل العقلي والحسيّ على فساده إذ كيف يساوي الحجر الذي لا يسمع ولا يتكلم ولا يعقل ولا يتحرك إله العالمين الذي خلق فسوّى وقدّر فهدى، لذلك جاء الجواب الملزم { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } لا شريك له { وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفاً عند أهل الكتاب بصفته التي وصفه بها أنبياء بني إسرائيل وكانت هذه الصفة كاشفة للحقيقة أتبع الدليل العقلي المستند إلى الحسّ والمشاهدة بدليلٍ نقليٍ عن الأمم السابقة فقال: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } قال أحد مسلمة اهل الكتاب "عبد الله ابن سلام" أعرفك يا رسول الله أكثر مما أعرف ابني، بهذا صح حكم القرآن على كل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم { الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن ذكرَه في النبوات السابقة كثير مشهور، وإنكار ذلك ظلم وكذب على الله وعلى خلقه، لذلك ترى القرآن يقرر هذه الحقيقة فيقول: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } يعني لا أحد أشد ظلماً من أحد رجلين حازا السبق في الكفر الذي يخترع الكذب وينسبه إلى الله فيحرف كتابه والذي يكذب آيات القرآن، ويبني على ذلك خذلانه في الدنيا والآخرة فيقول: { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } الضمير هو ضمير الشأن فشأن الظالمين الذين يضعون الكذب موضع الحق والذين لا يبلّغون رسالات الله ويكفرون بآيات الله، ثم ينقلنا القرآن إلى الموقف العظيم نرى حالهم ومآلهم فيقول: { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } لأن الشركاء يهربون ويتنكرون لعابديهم يتخلون عنهم ويسلمونهم للعذاب، { ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } أنظر أيها القارئ كيف يجر الكذب إلى الكذب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:"وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا"، بلغ بهم كذبهم أن أنكروا عبادتهم للأصنام أو لغيرهم حين عاينوا العذاب، فعقّب القرآن على ذلك بقوله: { انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } حين خدعوها وزينوا لها عبادة الحجارة من دون الله أو عبادة الأشخاص من دون الله، { وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } هذه الحقيقة التي أشرتُ إليها أولاً. ولما كان بعض المشركين يستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلذذ بالقرآن ظاهراً لكن لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، ذكر فعلهم ذلك في معرض الحديث عن اليوم الاخر والجامع أنهم عملوا عملاً في الدنيا لم يعتبروا به ولم يفدهم في الآخرة، فلا زال الحديث في اليوم الاخر وما يجري فيه، { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } لكن لا بقصد التدبر والإعتبار { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } هذه إشارة إلى الموانع التي تمنعهم الإيمان من الرياسة والأنانية والمصالح الشخصية، لذلك لم يعملوا عقولهم فيما يسمعون ولا تفكروا فيما يلقى إليهم، وأعموا أبصارهم عن رؤية الأدلة التي تثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم { وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } عمم في الاية لتشمل الكونيّة والحسيّة والقرآنية، يكفيهم أن يضعوا العراقيل في وجه الدعوة يشككوا بالقرآن ويسلطوا ألسنتهم عليه ليبطلوه، فإن عجزوا فلا أقل من أن يصرفوا الناس عنه، { حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ } إشارةً إلى القرآن الكريم { إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ } نسبوه هذه النسبة ليصرفوا الناس عن الإيمان به، مع أن قوة الأسلوب ووضوحه يعجز عنه البشر ويستمتع بقرآءته وسماعه العقلاء، فإن جئت تسأل عن حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، يأتيك الجواب { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } أي يصرفون الناس عن الإيمان بمحمد والإستماع إليه ويبتعدون عنه خشية أن يتسلل الإيمان إلى قلوبهم بغير إذنهم، لذلك ختم الاية بقوله: { وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } في إرادها موارد التهلكة بالكفر بالله ومعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقوف مع أعداء الله، يصرّون على باطلهم إلى أن يموتوا كافرين فيدخلوا النار { وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } مضى الوقت الذي تقبل فيه التوبة وظهرت الأمور على حقيقتها فلا ينفع نفساً إيمانها، { بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } ظهر كفرهم واضحاً لهم يوم القيامة بظهور عاقبتهم وأنهم استحقوا عليه النار، تُرى لو ردهم إلى الدنيا أيؤمنون؟؟!!. لقد قص عليهم القرآن خبر الماضين وما نزل بهم من العذاب، وأراهم الناس في النار يعذبون، وكان بإمكانهم أني يتوبوا ويقلعوا عن باطلهم ويراجعوا الحق، ولكنّ النفس حين تتبع الهوى وتترك العقل والعلم والإعتبار يفسد مزاجها { وَلَوْ رُدُّوا } يعني إلى الدنيا مرةً ذانية { لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } لأن الإنسان حين يألف الكذب يختاره وسيلةً يدافع بها عن نفسه ويصير الكذب سجيةً له، ولذلك حكم عليهم فقال: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، هكذا حاور القرآن المشركين فأظهر فساد عقيدتهم واضطراب فكرهم وعدم وضوح رأيهم، فبيّن لهم علهم يتبينون ولكن هيهات، فاللهم بصّرنا بالحق ووفقنا لاتباعه والتمسك به.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة