الرئيسية >> مشاركات  الكليـــــــــــة

  


المشاركة في مؤتمر (نحو أداء تربوي شرعي طموح).

دُعي عميد كلية الشريعة بجامعة بيروت الإسلامية لإلقاء محاضرة ضمن فعاليات: المؤتمر التربوي الأول الذي عُقد في دولة الكويت خلال الفترة من 28-30/3/2011 تحت شعار (نحو أداء تربوي شرعي طموح).
دعت إليه: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، ورعاه دولة نائب رئيس مجلس الوزراء للشئون القانونية صاحب المعالي راشد عبد المحسن الحمّاد وزير العدل ووزير الأوقاف والشئون الإسلامية، وحضره كوكبة من العلماء: من مصر، والأردن، والمملكة العربية السعودية، ولبنان، ودولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها.
ومن محاور المؤتمر اثنان: الأول: تجارب المؤسسات التعليمية التربوية في داخل دولة الكويت وخارجها والتعرف على ما فيها وما لها وما عليها. الثاني: استشراف آفاق المستقبل في المؤسسات التعليمية التربوية الشرعية وطموحاتها.
وبعد إلقاء أ.د. أنس جميل طبارة عميد الكلية محاضرته التي كانت بعنوان: كيف نعيد إلى التعليم الشرعي نضارته؟ أجاب عن أسئِلة الحاضرين واستمع إلى مداخلات المشاركين، وفي نهاية المؤتمر راجع ما كان فكانت له الملاحظات الآتية:
1- باستطاعة المسلمين أن يعملوا أعمالاً كثيرة إذا وجدوا من يوجههم ويأخذ بأيديهم على الطريق، ويبين لهم ما يحتاجون إليه بالقدوة قبل الكلمة، وبكلمة يسبقها عمل بمضمونها.
2- ضرورة أن نعرف ما نريد ونخطط للوصول إليه وتحقيقه خطوة خطوة، فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة ثابتة في الأرض.
3- ضرورة إعادة النظر في ما نقوم به، والبحث في كيفية تطوير إدارة العمل بالتنقيب عن ما فيه من سلبيات ونحاول التخلص منها، وما فيه من إيجابيات فنستزيد منها ونثبت عليها، وهذا ما جعل القائمين على مؤسسة السراج المنير التي ترعى الناشئة بين
7 و14 سنة، تعلمهم القرآن وما فيه من حِكم وأحكام، أدى بها إلى البحث عن أفضل الوسائل التي تعين النشء على محبة القرآن والحرص على حفظه وفهمه والعمل بما فيه، ومن أهم ثمرات هذا تكوين المواطن الصالح في أسرة صالحة ترعاها هيأة التنمية الأسرية مستنيرة بهدي القرآن الكريم، فنحاول أن ننشيء أسرة إسلامية تؤسس لمجتمع إيماني وما هي الصعاب والعقبات التي يجب تخطيها والتغلب عليها، وهذا المنهج الذي يعتمد التخطيط أولاً ثم تنفيذ المخطط وإعادة النظر فيه كلما جد أمر ومحاولة التغلب على الصعاب وتخطي العقبات للوصول إلى الهدف المنشود جعل القائمين على المؤسسات التي ترعى التربية في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت عقد المؤتمرات التي تهدف إلى رفدها بخبرات المؤسسات التربوية المحلية والإقليمية والدولية ونقل خبراتها إليها.
4- لقاء العاملين في حقل التربية والتعليم في مختلف البلاد يمكّن من التعرف على النجاحات فيفيدون منها، ومواطن الفشل فيبحثون عن أسبابه ونتائجه وكيف يمكن تجنب آثاره السيئة والبحث عن مكامن الخطأ لتصحيحها وتجنب الوقوع فيها، فالسعيد من وعظ بغيره.
5- من الجوانب المضيئة لهذا المؤتمر أنه سلط الضوء على مشاكل الطفل والناشيء التعليمية التربوية علّها تجد حلاً عند المشاركين فيه فيتعاون الجميع في حل مشاكلهم فتتكون الأمة المؤمنة كالجسد الواحد ويصير الجميع واحداً في الغاية والوسيلة.
6- يجب على المشاركين في مثل هذه المؤتمرات والقائمين الصدق في النية والقصد وتجنب الإسراف والتبذير في الوقت والمال والاقتصاد في النفقات والمصاريف؛ فإن المال قوام الحياة به تعز وبفقده تضعف وتذل.
7- أحسن المنظمون للمؤتمر التربوي الأول التخطيط والتنفيذ والالتزام بالوقت المحدد لكل محاضرة وتنسيق أجزائه فجاء على صورة حسنة، وأرجو أن تكون الفائدة منه كذلك.
وختاماً أتوجه بالشكر والتقدير لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، وإدارة السراج المنير والقائمين على المؤتمر والمشاركين فيه، ولا أنسى أمير البلاد وولي عهده والشعب الكويتي.
أسأل الله للجميع التوفيق والسداد وأن يكونوا في رعاية الله وعنايته.
وهذا نص المحاضرة التي ألقيت مساء الاثنين 28/3/2011:

كيف نعيد إلـى التعليم الشرعي نضارته

        نظرت إلى العالم الإسلامي شرقه وغربه شماله وجنوبه، فوجدت أمة متفرقة اختلفت مذاهبها ومشاربها يتربص بها الأعداء من كل جانب، وتمتد إليها أيدي الظلمة وألسنتهم بالسوء والعدوان، فبلاد الأفغان وما جاورها اخترع لها الأعداء فكرة (القاعدة) تخيف الناس من الإسلام وتبرر الاعتداء بطائرات بلا طيار وقتل النساء والأطفال وكبار السن؛ لأنهم من (القاعدة أو من طالبان) بدون محاكمة ولا بحث عن دليل، تطلق التهم الظالمة وتصدقها وتحكم وتنفذ على سمع وبصر جيوش الجيران التي لا تستطيع أن تعمل شيئاً خشية أن تُتهم بأنها تظاهر (القاعدة أو طالبان) وتغض الطرف عن أعمالها، وإلا حركت عليها الأحزاب وقطعت المساعدات عنها.
ولما كان المال قد استحوذ على قلوب الناس وبالغوا في طلبه صار سبب كل علة وسبيل كل فساد وسكوت عن نصرة الحق ومحاربة الباطل، حتى صار المعروف منكراً. هذا في الشرق أما في الغرب فاستأثر الحكام بثروات البلاد وخصوا بها أنفسهم وذوي مودتهم وقراباتهم، حتى صار المال حكراً على جماعة قليلة، والعامة تعاني من ظلم الحكام وحرب الدين وإلهاء الناس بالتوافه من الأمور الجانبية التي لا تقدم ولا تؤخر، حتى صار الدين تهمة يسعى الكثيرون إلى التبرؤ منها، وإظهار الانفتاح على الآخر، والتسامح معه وموافقته في كثير من المخالفات، حتى لا يتهم المسلم بالتعصب لدينه والتشدد مع المخالفين، حتى هُزم المسلمون من داخل أنفسهم وفقدوا الثقة بالله والاعتماد عليه والالتجاء إليه.
وفجأة تحرك الشعب وخرج على حكامه في تونس وفي مصر وفي اليمن وفي البحرين وفي ليبيا وفي السعودية، الكل ينادي: الشعب يريد إسقاط النظام. هل تقوم جماعة دون نظام يحدد الحقوق والواجبات؟ تُرى لماذا تحرك الناس في هذه البلاد في وقت متقارب؟ أهي صدفة أم مخطط لها وتنفذ خطوة خطوة بشكل محكم؟ أين الدين في حياة الناس وفي هذه الثورات المتتالية؟ هل يمكن الإصلاح بلا دين، بعيداً عنه لا يتدخل في حركة الحياة؟ هذا حالنا في هذا العصر، فما حال من عاصر النبي صلى الله عليه و سلم.
عانى المسلمون في عهد النبي صلى الله عليه و سلم من ظلم المخالفين وعدوانهم على المؤمنين وضيقوا عليهم حتى ألجئوهم إلى شِعْب أبي طالب، وقاطعوهم فلم يبيعوهم ولا ابتاعوا منهم، وتركوهم يعانون ألم الجوع والعزلة. ولما كان النصر مع الصبر والفرج مع الشدة، فقد نصر الله المؤمنين وأعزهم فهيأ لهم مدينة أقاموا فيها دولة عادلة تحكِّم شرع الله وترضى به ولا ترضى عنه بديلاً، كانوا يداً واحدة وقلباً ينبض بالحب والخير والفضيلة، يحبون من هاجر إليهم يشاركونهم ويبذلون من أموالهم مساعدة لإخوانهم في بناء حياة كريمة يعيش في ظلها المهاجرون والأنصار متعاونين متناصحين متحابين يؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كانوا بحاجة إليه؛ لأن الإيمان دخل قلوبهم وتربع فيها، فأيقنوا أن الرزق مضمون والعمر محدود، والعمل الصالح ينفع في الدنيا والآخرة، فتزودوا منه لآخرتهم، فعاشوا به وأكثروا منه؛ فكان لهم حياة عاشوا به بعد موتهم، وأوضح دليل على ذلك أن ألفاً وأربعمائة وبضعاً وثلاثين سنة لم تستطع أن تمحو من ذاكرتنا أعمالهم، ولا يزالون إلى اليوم مثلاً يقتدى به ويسار بسيرته.
ماذا حل بأمة محمد حتى تغير حالها وضعف شأنها وتفرقت كلمتها وطمع بها الأعداء وغاب عنها الأصدقاء؟ فما السبيل إلى إيقاظها وإيقافها والسير بها إلى مراقي الفلاح، وكيف يمكن أن نعيد إلى الدين مكانه في أنفس الناس وأعمالهم؟ وكيف يمكن أن نقرّب الناس منه ونحببهم فيه ونجعلهم يقبلون عليه؟ أسئِلة لا بد من الإجابة عليها إذا أردنا أن ننهض بالتعليم الشرعي من كبوته ونعيد إليه مكانته اللائقة به.
ماذا يمثل الدين في حياة الناس اليوم؟ أهو حاضر يضبط حركات وسكنات القائمين على نشره وتعليمه؟ أم هم في وادٍ سحيق والدين في قمة شامخة بعيداً من حركة الحياة؟.
المدرِّس أو الداعية إلى الدين يجب أن يُراعى في اختياره أن يكون من الشباب النابهين النشطين ذوي الرغبة الحقيقية في تعلم وتعليم الشريعة؛ فإن حمل الشريعة ونقلها وظيفة خيار الناس على الإطلاق، عنيت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم نعده إعداداً خاصاً لهذه المهمة التي تحتاج إلى العلم والثقافة والصبر والثبات واليقظة وحسن الصلة بالله، يثق به ويعتمد عليه ويلجأ إليه، ثابت القلب رابط الجأش يحب الناس وينصح لهم ويرفق بهم ويتلطف معهم، فمهما دعاهم وهو كاره لهم حاقدا عليهم ينظر إليهم من علي، يرى نفسه أتقى منهم، فلن يفلح في دعوته لأن الناس ينفرون من المتكبر ويعرضون عنه، من هنا رأينا النبي صلى الله عليه و سلم يقول: إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً المواطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون، يجب أن نعلّمه كيف يتحبب إلى الناس ويحببهم إليه ليقبلوا عليه وينتفعوا بعلمه، وذلك لا يتم له إلا إذا أحسن التواصل مع الناس. يتخير كلامه وسمته وعمله، يطبق ما يدعو إليه على نفسه أولاً؛ لأن الإنسان تؤثر فيه القدوة أكثر من الكلمة، وأن يكون المدرس متقناً ما يعلّمه، يعلم خفاياه ودقائق مسائله فلا يخطيء في إجابةٍ تفقد تلاميذه الثقة وتجعلهم يشكّون في كل كلمة يقولها، ويجب عليهم أن يعلمهم (لا أدري أو لا أعرف)؛ فإنها كلمة تجعل الطالب يقف فلا يتخطى الأدب في تعامله مع أهله وجيرانه، وأن يعتمد في شرحه الأساليب العلمية والوسائل التوضيحية واللغة السهلة التي يفهمها كل أحد ولا يترك قاعة المحاضرات إلا بعد أن يتأكد أن الطلاب قد فهموا عنه ما قال وعرفوا معناه ومغزاه وخفاياه، ولا يسأم من توضيح ما يحتاج إلى إيضاح وليحذر أن يسيء إلى الطالب أي طالب وإن أساء فإن المدرسة تعلم الشباب الأخلاق قبل أن تعلمهم العلوم الشرعية، فلا خير في علم لا يصحبه خُلُق كريم يؤثر في الطالب أكثر من الكلام المنمق.
على المدرس أن يغرس في أنفس طلابه حب العلم الشرعي وبذل النفس والنفيس في تحصيله، وأن يدربه على الابتكار ولا يحاول تسفيه رأي تلميذه مهما كان تصرفه، بل يُرشِّد تصرفه، ويصوب مساره برفق وأَناة، يدرّبه بحكمة حتى ينشأ نشأة سوية يعرف ما يريد ويسعى إلى تحقيقه بالوسائل التي شرعها الله، فالغاية النبيلة لا يتوصل إليها إلا بوسيلة مشروعة، فالغاية لا تبرر الوسيلة.
وأخيراً أن يكون المعلم كريماً يعلّم طلابه أن يكون المال في أيديهم لا في قلوبهم، وأن يكون المال وسيلة إلى الخير ولا يكون غاية في نفسه وأن يدربهم على حفظ المال ورعايته فلا يُنْفَق إلا في ما فيه مصلحة؛ فإن المال قوام الحياة به تعز الأمم وتقوى، وبفقده تضعف وتذل، ويدربهم على أن يكون مصروفهم أقل من مدخولهم ليسلم لهم وفر للمصاريف الطارئة، وأن لا يلجئوا إلى الدَّيْن تحت أي ظرف ليسلم لهم دخلهم فلا يكونون أسيري الحاجة فيذلوا ويخضعوا لذي المال فينحرفوا؛ فإن شهوة المال تؤثر في السلوك وربما حرفته عن المسار الواجب إتباعه شرعاً، أضف إلى هذا، أن المبالغة في تناول الحلال قد تقود إلى الحرام، والمبالغة في اتباع هوى النفس يؤدي إلى ارتكاب المحرمات تحت تأثير الشهوات والرغبة في متاع الدنيا الزائل، فعلى المربي أن يعتمد البيان الواضح ومحاولة الإقناع بالدليل الذي لا يحتمل النقض، والبرهان السالم من معارض، فيبني شخصية سوية تعرف ما تريد وما يراد بها ولها فنكوِّن طالباً مثالياً ومستقبلاً زاهراً عامراً بالإيمان والعمل المنتج البناء.
وإن أمكننا اختيار الطلاب الذين يدرسون العلوم الشرعية، فعلينا أن نختبر المتقدمين للدراسة فنختار خيرهم من ذوي الأخلاق الفاضلة والشخصية السليمة من الأمراض النفسية المحبة للعلم والتعلم الحريصة على البحث والدراسة الراغبة في الاستزادة من المعرفة، الأمينة في نقل المعلومات، الفطنة التي تعرف المداخل والمخارج، الصادقة المستقيمة.
وإن أمكننا أن نعزلهم عن المجتمع ونربيهم تربية عملية نبين لهم أخطاء الناس وتصويبها نعرفهم الحقائق والأباطيل، ندربهم على التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل ونبين لهم المحاسن والمساويء، بطريقة مقنعة وحجة ملزمة ودليل سالم عن معارض، آمل عندها أن تتغير الأحوال وتستقيم الأمور وتنهض الأمة من كبوتها؛ لكن أين خارطة الطريق التي يجب سلوكها والسير على وفقها للوصول إلى الهدف المنشود؟.
إنها في القرآن الكريم الذي يغرس في نفس قارئة بذرة المحبة محبة الله ورسوله ومحبة جماعة المؤمنين ومحبة خَلْق الله كلهم ما يدعو إلى نشر الخير والفضيلة والحرص على سلامة الطبيعة ونظافتها وبقائها نقية كما خلقها الله، والحرص على سلامة المجتمع من الآفات والأمراض التي تؤدي إلى تفككه وتمزقه.
القرآن ينمي الإحساس بالجماعة ويحضُّ على النصح لها وبذل النفيس في السعي للتخفيف من عنائها، والأخذ بيدها على الطريق.
القرآن أمر بالنظر والبحث والتفكر وتدبر الآيات الكونية التي تدعو إلى الإيمان والكشف عن أسرار هذا الكون ما يدعو إلى تطوير أساليب التعامل مع المخالف، وابتكار أساليب تقرب البعيد وتحقق المقصود وتعيد اللحمة إلى المجتمع. والله المستعان.
فاللهم وفقنا لقول الحق والعمل به.